01 شعبان 1438 هـ الموافق ٢٨ نيسان ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
هيدر

آخر تحديث: 11:23 صباحاً الأربعاء, 15 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 2016-12-14 11:23:37

عقيدة الاستشهاد وعقيدة الإعداد

من أين نؤتى ؟ (5) كيف هزمنا أمريكا ثم هزمنا أنفسنا ؟!

11:23 صباحاً الأربعاء, 15 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 2016-12-14 11:23:04

د . رياض العيسى
نعود لنواصل هذه السلسلة بعد انقطاع دام لأكثر من سنة ونصف، أمضيناها في التحقق العلمي المنهجي من المقولات الكبرى لهذه السلسلة التي تسعى إلى الإجابة عن مجموعة هامة من الأسئلة، فعى سبيل المثال نتساءل : ما هي عقيدة الخلود التي كان يحملها العرب في الجاهلية؟ وكيف أثرت على دافعيتهم القتالية؟ وما هي علاقة عقيدة الجاهلية الأولى بعقيدة الجاهلية التي تقاتلنا الآن؟ وما هي عقيدة الخلود التي حملها اليهود في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف أثرت على دافعيتهم القتالية؟ وهل هي ذات العقيدة التي يحملها الصهاينة الآن؟ ونكرر ذات السؤال بالنسبة للفرس وكذلك الرومان؟ ونتساءل أيضا حول عقيدة الخلود التي دفعت سلفنا الصالح إلى ريادة العالم؟ وهل مازلنا نؤمن بذات العقيدة؟ وإذا كانت الإجابة بالإثبات فنتساءل : لماذا فقدت هذه العقيدة دافعيتها؟ أما إن كانت الإجابة بالسلب فنتساءل ما هي عقيدة الخلود التي يتبناها أغلب المسلمين الآن؟ وكيف تغيرت أو حرفت عقيدتنا حول الخلود؟ وهل فعلا هي علة الوهن الذي يعيقنا؟ وأخيراً، كيف السبيل لتصحيح هذا الانحراف كي تعود لنا دافعيتنا، ويعود بأسنا شديداً على الكافرين؟

كما نتساءل : لماذا تمول مؤسسة جون تمبلتون الأمريكية الخيريةJohn Templeton Foundation مشروعاً علميّاً بحثيّاً تحت عنوان (مشروع الخلود) The Immortality Project الذي تبلغ قيمة تمويله خمسة ملايين دولار؟ وماذا يعني أن تكون أولى الجامعات التي فازت في الحصول على هذا التمويل هي الجامعة العبرية في القدس؟ حيث سيبحث فريقها العلمي في خبرات الاقتراب من الموت وأثرها على السلوك ! وماذا يعني أن من المواضيع التي سيجري بحثها في هذا المشروع موضوع العلاقة بين الخلود والأخلاق "The Immortality and Morality" ؟وماذا يعني أن أحد الفائزين بتمويل بحثه في هذا المجال هو النفساني الأمريكي سكوت إليسون من جامعة ريتشموند والمتخصص في علم نفس الأبطال والشهداء؟! وماذا يعني أن يمول مكتب الأبحاث المميزة في سلاح الجو الأمريكي دراسة بعنوان : "الثقافة والفكر والأخلاق والدين : الموت يغير كل شيء" ؟ وأن يتطرق البحث للحالة النفسية لثوار الربيع العربي؟

كما نتساءل عن دلالة كون الخدعة الأولى التي أضل بها الشيطان الإنسان كانت خدعة الخلود الذاتي؟ قال تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾ . وكيف نفهم في هذا السياق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "توشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" ،فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ؟ قال : "بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ" ، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن؟ قال : "حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ".

وأخيراً نتساءل عن مغزى أن تبدأ حروب الفتوحات الإسلامية بقول خالد بن الوليد - رضي الله عنه - لقائد الفرس: "أما بعد فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية وإلا فلا تلومن إلا نفسك فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة"؟.

هذا المقال الخامس من السلسلة، المقال الاستهلالي (عقيدة الخلود) بيَّن الهدف والموضوع الإجمالي الذي تعالجه السلسلة.

المقال الثاني قدم للنظرية العلمية المهيمنة حالياً على مبحث الخلود.
 
والمقال الثالث لخص بإيجاز نتائج الدراسات العلمية في هذا المبحث واقترح علاقات ممكنة بين هذه النتائج والواقع العربي الإسلامي.
 
أما المقال الرابع فقدم محاولة لفهم عقيدة الخلود الجاهلية وكيف أثرت على طبيعة الصراع الذي خاضه رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم.
 
عقيدة الاستشهاد وعقيدة الإعداد
يلاحظ القارئ للسيرة النبوية أن معارك النبي وصحبه مع اليهود كانت أيسر بكثير من معاركه مع كفار الجاهلية، فهل العلة في ذلك كانت عقيدة الخلود عند الطرفين؟ لقد آمن اليهود بعقيدة الخلود في الجنة المسبوق بعقاب معدود في جهنم، بينما آمن كفار الجاهلية بالخلود الرمزي (السمعة والذكر والذرية) الذي أوضحنا دلالاته في المقال السابق، فهل تزيد عقيدة الخلود الرمزي من صلابة المقاتلين؟ وهل تضعف عقيدة العقاب المعدود صلابتهم ودافعيتهم القتالية؟ ومن ناحية أخرى يبدو أن الفرس والرومان كانوا يؤمنون بالخلود الحرفي في الجنة، فما هو الفرق بين عقيدتيهما في الخلود؟ وهل أثرت تلك العقيدة على دافعيتهما القتالية؟

تفترض دراستنا الحالية أن عقيدة العقاب المعدود تضعف الدافعية القتالية بشكل كبير ؟ وكذلك عقيدة الخلود الحرفي (الجنة) إن لم يصاحبها انسجام سلوكي مع المنظومة العامة للمعتقد؟ والعلة في ذلك تبدو بدهية ؛ فكل من يعتقد أنه سيواجه العذاب بعد موته مباشرة سيسعى بكل جهده لتجنب ملاقاة الموت، من ناحية أخرى تزيد عقيدة الخلود الرمزي من صلابة المقاتلين، لأن الجبن يعني الذل الأبدي، والشجاعة تعني المجد الأبدي، وكذلك الأمر بالنسبة لعقيدة الخلود الحرفي حين يصاحبها انسجام سلوكي مع المنظومة العامة للمعتقد، ووفقاً لهذه الفرضية يمكن لنا تفسير قدرتنا على هزيمة الأطراف الأربعة السابقة بشكل متفاوت.

تعتبر عقيدة الشهادة في الإسلام من أكثر العقائد وضوحاً وبساطة، فمن يقاتل العدو ويقتل لا يموت ! وينتقل مباشرة لحياة النعيم والراحة، ولقد وفرت هذه العقيدة للأمة قدرة عالية على مقاومة الاحتلال، فالجندي المحتل يصبح مثيراً إدراكياً لعقيدة الشهادة، وفي حالة المقاومة يكفي أن تثير هذه العقيدة مئات من المسلمين كي تستمر المقاومة والتنغيص على القوة المحتلة، مما يضطر المحتل إلى اتخاذ المزيد من السياسات القمعية التي بدورها تثير عقيدة الشهادة بشكل أكبر ويستمر الأمر بالتفاقم حتى يفقد المحتل قدرته على السيطرة وينسحب. وهذا ما حدث للاحتلال الأمريكي للعراق، والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن غياب الجندي المحتل عن التواجد المباشر على الأرض يضعف من إثارة عقيدة الشهادة، ولكن ما هي عقيدة الخلود التي تتفعل عند عموم المسلمين عندما يغيب جندي الاحتلال؟ وكيف لنا أن نبقي عقيدة الشهادة فعالة حتى عندما يختفي الجندي المحتل؟

كما سنوضح في المقال القادم من هذه السلسلة فإن (عقيدة الخلود) التي تتفعل عند جمهور المسلمين عند غياب جندي الاحتلال هي عقيدة العقاب المعدود ! وهي عقيدة تزيد من مستويات قلق الموت وتزيد من حب الدنيا ومن ثم تصيب المجتمع بحالة عامة من الوهن، والقابلية العالية للتصارع الداخلي والتناحر اليومي.

ومن المشكلات الكبرى لهذه العقيدة هو انفصالها أو قل تناقضها مع عقيدة الشهادة، فإثارة عقيدة العقاب المعدود يغيب عقيدة الشهادة عن الحياة اليومية للمسلمين.

سنطلق على (عقيد الخلود) السوية اسم عقيدة الإعداد، وهي عقيدة لا تجزم بدخول الجنة وترجوه ولا تنفي دخول النار والخلود فيها وتخشاه، هذه العقيدة تجعل المسلم في حالة تأهب دائم، وتجعل قلقه الحقيقي هو الحياة الدنيا لا الموت، ويصبح الموت هو لحظة الراحة والاطمئنان، والعودة إلى الرحمن الديان، ومن إيجابيات هذه العقيدة تفعيلها لعقيدة الشهادة في الحياة اليومية حتى وإن غاب جندي الاحتلال عن الظهور المباشر.

إن تبني قلة من المسلمين لعقيدة الشهادة في وسط جمهور مسلم يتبنى في أغلبه عقيدة العقاب المعدود هو الظرف الأنسب لظهور المغامرين من أمثال (داعش) وما شابهها خصوصاً عندما يغيب المحتل الأجنبي عن الأرض، فتنقلب هذه القلة على وسطها الحاضن لها، وتخوض معارك استشهاد دون إعداد ! فنفجع فوق فاجعتنا، ونهزم أنفسنا بعد أن تمكنا من هزيمة محتلنا ؟!

المقال القادم من هذه السلسلة يبين بالتوثيق العلمي حجم انتشار عقائد العقاب المعدود بين المسلمين التي لا أصل لها عند جميع النحل والملل الإسلامية ؟!
 
المصدر: الشام اليوم
التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut