27 جمادى الآخرة 1438 هـ الموافق ٢٦ آذار ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
القدس عنواني الوحيد

آخر تحديث: 14:03 مساء الأثنين, 25 ربيع الثاني 1438 هـ الموافق 2017-01-23 14:03:58

من أين نؤتى ؟ (7) اكتشاف علميّ يُحدِّد الخلل (2)

14:03 مساء الأثنين, 25 ربيع الثاني 1438 هـ الموافق 2017-01-23 14:03:13
د . رياض العيسى
تروي هذه السلسلة من المقالات قصة مشروع بحث علمي، يحاول تحديد سبب الهزيمة التي تتعرض لها الأمة الإسلامية والأمة العربية باستعمال أفضل المنهجيات العلمية المتوفرة حتى الآن في مجال العلوم الاجتماعية، ويدير المشروع العلمي معهد الدراسات الاجتماعية في جامعة بوترا الماليزية، ويقود الفريق البحثي كاتب السلسلة بإشراف الدكتور ستيفن كراوس، وقد توصل المشروع إلى نتائج أولية خطيرة صادمة، حيث تشير هذه النتائج إلى أن 60 % من المسلمين يعتقدون أن مصيرهم الأخروي هو العقاب في جهنم قبل دخول الجنة، حتى إن زادت حسناتها على سيئاتها!

ذكرنا في المقال السابق كيف انطلق البحث من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول تكالب الأمم، حيث يعرض هذا الحديث الشريف صورة فوتوغرافية للحظة الراهنة التي نعيش، ولعلَّ الحديث الشريف يعدُّ من النصوص النادرة التي تستطيع كلماته أن تصف ما لا تصفه الصورة الفوتوغرافية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "توشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" ،فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ؟ قال : "بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ" ، فقال قائل : يارسول الله وما الوهن؟قال : "حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ" .

يقدم الحديث الشريف سلسلة سببية تُعلِّل الهزيمة، فالغثائية هي العلّة النهائية وعلّتها هي الوهن، وعلتا الوهنِ هما حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت. توقفنا في المقال السابق عند مجموعة من الأسئلة يثيرها الحديث الشريف: فهل نحن الأمة الوحيدة التي تحب الحياة وتكره الموت ؟ لماذا يؤدي حب الدنيا وكراهية الموت إلى هزيمتنا، ولا يؤدي إلى هزيمة أعدائنا ؟ هل نحن نحب الحياة أكثر من أعدائنا ؟ وهل نكره الموت أكثر مما يكرهونه ؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فلماذا؟ لماذا يكره العرب المسلمون الموت أكثر من أعدائهم ؟ وكيف يمكن أن نستعمل العلم التجريبي الاجتماعي المعاصر في الإجابة عن تلك الأسئلة ؟

للتعامل مع الأسئلة السابقة بمنهجية علمية حاول فريق البحث العلمي تحديد أقرب المتغيرات النفسية أو الاجتماعية لمصطلح "كراهية الموت" الوارد في الحديث الشريف، فأثمر البحث عن التوصل إلى مصطلح "قلق الموت" أو "الخوف من الموت" وهما مصطلحان مترادفان طورهما الباحثون النفسانيون، وثمة أساليب عديدة مقررة لقياسهما.

لم يجزم الفريق البحثي بالتطابق التام بين المصطلحات الثلاثة، فقد تكون ثمة فروق بين صفة قلق الموت أو الخوف منه، وصفة كراهية الموت الواردة في الحديث الشريف، إلا أن الفريق ارتأى أن التشابه الشديد أمر يبدو منطقياً إلى درجة بعيدة. فكانت الخطوة التالية هي البحث عن دراسات علمية قامت بقياس قلق الموت أو الخوف منه لعينات عربية أو إسلامية، و قارنت القياسات مع عينات غير عربية وغير مسلمة؛ وذلك للإجابة عن الأسئلة السابقة التي تولدت عن الحديث الشريف.

في هذه اللحظة تعرَّف فريق البحث على الإنجاز العلمي الضخم للأستاذ الدكتور  أحمد عبد الخالق، الذي يعدُّ أهم الباحثين في موضوع قلق الموت على مستوىً عالميٍّ، حيث نشر البروفيسور عبد الخالق مئات الأوراق البحثية وكان موضوع العشرات منها قلق الموت وما يتعلق به من متغيرات نفسية، فما أهم النتائج التي توصل لها البروفيسور عبد الخالق؟

تشير نتائج دراسات البروفيسور عبد الخالق إلى أن العينات العربية تظهر مستويات عالية جداً من قلق الموت ! وهذه المستويات تفوق المستويات التي تظهرها العينات الأوروبية والأمريكية ! وهذا الأمر سمة عامة في العينات العربية، لم تشذ عنه حتى العينة السعودية التي تلقَّت تعليما دينياً إسلامياً مكثفاً ! وجدت إحدى دراسات عبد الخالق أن العينة العربية بلغت مستوى من قلق الموت لا تبلغه في الغرب سوى عينات المرضى النفسانيين !

مؤخراً طور البروفيسور عبد الخالق مقياسا يقيس "حبَّ الحياة"، وقاس قلق الموت وحب الحياة لعينيتن إحداهما عربية والأخرى أمريكية، وكانت النتيجة أنَّ العينة العربية تحب الحياة أكثر من العينة الأمريكية ! وأيضاً تخاف من الموت أكثر من العينة الأمريكية !

من جهة أخرى وجد الفريق البحثي دراسة غربية توصلت إلى أنَّ المسلمين يخافون الموت أكثر من اللادينيين ! وكذلك وجدت دراسة ماليزية أنَّ المسلمين الماليزيين يخافون الموت أكثر  من البوذيين ! والهندوس ! والكونفوشيوسيين ! والطاويين ! والمسيحيين !

أكدت نتائج الدراسات السابقة دقَّة الوصف النبوي الشريف لواقعنا الراهن ! وأكدت أيضاً أن خالد بن الوليد رضي الله عنه لو عاد إلى زمننا هذا ووجد قبره في حمص قد دنَّسه جنودُ رستم، لن يستطيع أن يكتب إلى قاسم سليماني قائلاً : لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة !

ولكن لماذا؟ لماذا يخاف المسلمون من الموت أكثر من الآخرين؟ لقد قدَّم البروفيسور أحمد عبد الخالق جواباً أولياً في كتابه : "سيكولوجيا الموت والاحتضار" مفاده أن السبب هو خلل عَقَدِيٌّ ! إلا أن البروفيسور عبد الخالق لم يُوضِّح لنا ما يقصده بالخلل العقدي !

إجابة هذا التساؤل كانت المهمة التالية لفريق البحث العلمي وموضوع مقالتنا المقبلة، إن شاء الله.

التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut