28 صفر 1439 هـ الموافق ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

آخر تحديث: 09:08 صباحاً الخميس, 01 شعبان 1438 هـ الموافق 2017-04-27 09:08:11

أفضال الأهوال (1)

09:06 صباحاً الخميس, 01 شعبان 1438 هـ الموافق 2017-04-27 09:06:59
أ . محمد ياسر الكسواني
نموت في أهوال تتكشف عنها الأيام، وآخرها ما انكشف من أمور يندى لها جبين الإنسان من فظائع في سجون أهل الغدر وشيعتهم، وهذا الندى والأسف على هؤلاء الذين يموتون بهذه الطريقة وهم ألوف حذر الموت!

فكيف تسنى لطغمة قليلة فاسدة أن تقتل وتشرد كل هذه الأعداد من الألوف المؤلفة بل الملايين، وهم يهربون من الموت في الميدان فيموتون بأبشع الأشكال، ترى أكواماً من الجثث عدا عن الجرحى والمعتقلين والمغتصبين، فكيف صار المسلمون إلى هذه التعاسة؟ يموتون جماعات لكنهم فرادى كل منهم حاول النجاة بالسكون والخضوع بمفرده فماتوا كلهم عن بكرة أبيهم.

ومن هنا فإن فضائل الأهوال علينا عظيمة كالتيه الذي حصل لبني إسرائيل، فهو قد استمر أربعين سنة حتى تذهب أجيال العصيان وينشأ جيل جديد على الفطرة لا يرضى الموت بذلة وخسة.

قال نظام الملك (408-485 هـ) رحمه الله تعالى قبل ألف عام في كتابه "سير الملوك" والمسمى بالفارسي "سياسة نامة"، ترجمة يوسف بكار، في الفصل الأول وهو بعنوان، "في أحوال الناس وتقلب الأيام": »…فإذا ما بدا –والعياذ بالله- من العباد عصيان واستخفاف بالشريعة، أو تقصير في طاعة الله تعالى واتباع أوامره، وأراد أن يعاقبهم ويجازيهم بأعمالهم –لا أرانا الله مثل هذه الأيام وجنبنا هذا الإدبار- فإنه تعالى يصبُّ عليهم جام غضبه وخذلانه بأن يحرمهم من ملك صالح يختطفه من بينهم، فتشب الفتن، وتشرع السيوف، وتهرق الدماء، ويفعل الأقوياء ما يشاؤون إلى أن يهلك المجرمون والعاصون جميعاً في أتون تلك الفتن ونزيف الدم، ويخلو العالم منهم ويصفو. ولا مناص من أن يهلك –والحال هذه- عدد من الأبرياء بجريرة المذنبين، فحين تشتعل النار في المقصبة فإنها تلتهم اليابس كله وقسماً كبيراً من الأخضر، أيضاً، بالمجاورة«.

فإذن من فضائل الأهوال التخلص من كل اليابس ولكن مع التخلص من كثير من الأخضر، مع أن كثيراً من هذا الأخضر ليس بريئاً!

فالبحث عن النجاة عن طريق الاستسلام للطغاة ليعطوك حياتك والتخلي عن موطنك، كما تخلينا عن بعض منا وبعض من أوطاننا قبل التخلي الأكبر الآن، وتخلينا قبلها عن المسؤولية لصالح أقلية حاكمة، يؤدي إلى التهلكة الجماعية كما نرى من صور تقشعر لها جلود الأبدان.

فمن فضائل الأهوال أنها تخلص المجتمعات من الأشرار كما تخلص انتفاضة البدن من السموم والأكدار، ذكر "مكيافيلي" في كتابه "المطارحات" ترجمة خيري حماد، فضائل الأهوال والكوارث في فصل بعنوان، "ما يحدث في الدين واللغة من تبدلات مع الكوارث التي تحل من فيضانات وأوبئة تعفي على آثار الماضي وسجلاته": »…وكما يحدث للأجساد العادية البسيطة، عندما تكون الطبيعة قد جمّعت، أكثر مما يلزم من المواد الزائدة، فإنها تعمل في نفس الطريقة، وتعاد الصحة إلى الجسد، عن طريق "المسهّل" الذي يتناوله الإنسان. وعلى نفس هذا الأسلوب، ما يحدث بالنسبة إلى تلك الهيئة التي تضم خليطاً من الأجناس البشرية، فعندما تكون كل مقاطعة مترعة بالسكان الذين لا يستطيعون الحصول على أودهم من ناحية، ولا يستطيعون الرحيل عنها إلى مقاطعة أخرى، لأن جميع هذه المقاطعات تكون محتلة وملآى بالناس. وعندما يكون دهاء الإنسان وشره، قد تجاوزا الحدود إلى أكثر مما يستطيعان المضي، يحتاج العالم آنذاك إلى مثل هذا "المسهل" عن طريق واحدة من هذه "المسهلات" الثلاث وهي الفيضان والطاعون والمجاعة. وهكذا عندما يهبط عدد الجنس البشري إلى قلة نسبية، وتذله الفاقة والعوز، قد يلجأ من يتبقى منه إلى شكل أكثر صلاحاً من أشكال الحياة، يسير به في طريق التحسن«.

فهذه الأهوال تخلصنا من كثير من الآفات التي جعلتنا نرضى الموت بهذه الطرق المخزية، صحيح أن كثيراً من الناس حاول ألا يموت هكذا، لكن كثير ممن لقي حتفه لم يحاول إلا ألا يموت! فمات شر ميتة.

هربوا حباً في الحياة وكرهاً في الموت إلى البحار لتلتقمهم الحيتان والأسماك فلقوا الذي يكرهون بطريقة يكرهونها ولو ماتوا واقفين صامدين لقل القتل ولانتصروا ولكنهم خرجوا بالملايين وتركوا بلادهم نهباً للمحتلين.

وها هو العدو الأمريكي يتجاسر من جديد على المسلمين، حيث منعهم من دخول بلاده ولكنهم ما زالوا يتقاطرون لبناء مؤسسات الغرب على حساب أوطانهم المتروكة نهباً للسارقين.

وها هم الألمان وباقي الأوربيين يمنعون المسلمين، ولكننا نصر على الحنث العظيم نهرب من الموت إلى الموت ونحن غير متعظين، فالحمد لله رب العالمين أن خلصنا من أنفسنا، ومن فيه خير فسيلحق عائداً تائباً.

وإن كان الجهاد يقرب الإنسان من الموت فهو يقربه من الله تعالى أكثر، ففي تماسكنا وثباتنا خير كثير، ولنا عبرة وعظة في مناسك الحج، فالحاجة ماسة في الحج لتماسك الجموع كما في الجهاد الشعبي والذي مع الأسف لم يؤت أكله لتفرق هذه الجموع وانخذالها أمام طغمة متجبرة ثم خضوعها أمام طغمة تدعي الجهادية، فالشعب قد تعود الخضوع لمستبد علماني أو آخر باسم الدين.

التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut