28 صفر 1439 هـ الموافق ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

آخر تحديث: 10:49 صباحاً الخميس, 08 شعبان 1438 هـ الموافق 2017-05-04 10:49:26

أفضال الأهوال (2)

10:41 صباحاً الخميس, 08 شعبان 1438 هـ الموافق 2017-05-04 10:41:52
أ . محمد ياسر الكسواني
نقلنا في الجزء الأول عن الوزير نظام الملك رحمه الله تعالى من كتابه "سير الملوك" الشهير ب"سياسة نامة" ما يفيد أن للأهوال فضائل عظيمة، ثم نقلنا عن مكيافلي ما يؤيد هذه الفكرة من كتابه "المطارحات".

وننقل الآن ما يفيدنا في معالجة هذه المقولة ويلقي ضوءا عليها.

 قال روبرت بيانكي في كتابه "ضيوف الرحمن، الحج والسياسة في العالم الإسلامي" في الفصل الأول بعنوان ما هو الحج وكيف يتجاوزه الحاج بسلام؟: »…والحج مسيرة مرهقة ومحفوفة بالمخاطر، قمينة بأن تُبرز دخيلة نفس كل حاج صالحها ودونها عاجلاً أم آجلاً، وذلك عندما يتحول الإنهاك إلى انفعالٍ شديد، وعندما يفضي الصفاء إلى نفاد صبر وغضب وذعر، ويدرك الحجاج –حتى أكثرهم اعتماداً على نفسه- أن اقترابهم من الله تعالى يقربهم أيضاً من الموت، وأن مَن يرجح أن يجتازوا الحج بسلام هم الذين يمد أحدهم يد المساعدة لأخيه. ولا شك أن الجهد الجاهد الذي يبذله الحاج في مواجهة الحَر والزحام والهياج من شأنه أن يستنزف قدرته على التحمل ويدفعه إلى إقامة صداقات آنية مع الغرباء من كل أصقاع الدنيا، واعياً تماماً –في مواقف معينة في الحج- أن كل جزء من الثانية يمر قد يعني موتاً أو حياة.

ونجاح الحج منوط في المقام الأول بالحس بالمسؤولية وروح التعاون بين الحجيج أنفسهم، لا بالموارد الهائلة التي تفردها حكوماتُهم لمساعدتهم وضبط تحركاتهم في الحج، صحيح أن الأموال المرصودة والتقانة المتطورة والتخطيط السليم والأمن المستتب أمور متحققة على نحو معجب ومتنام عاماً بعد عام، إلا أن ذلك كله لا يكفي، لأن العامل الحاسم هنا هو الانضباط الذاتي للحجيج ومدى التعاون الذي يبدونه فيما بينهم، فإن تقاربوا وتعاضدوا استطاعوا تدبر أمرهم وتغلبوا على الصعوبات الكثيرة التي تواجههم كل يوم؛ وإن تباعدوا وتنازعوا فتلك هي الطامة الكبرى والخطر المحدق…إن المدار في المحصلة على الحجاج أنفسهم في تنظيم حج تكون فيه الحوادث المؤسفة هي الاستثناء لا القاعدة الغالبة، ونجاح الحج منوط بإرادة مليوني حاج من شتى الأجناس والأمصار على إنجاحه.

مجموعات صغيرة وأعمال كبيرة: إقامة صداقات في الحج. مع أن جوهر الحج هو توكيد عرى الوحدة والمساواة، يبطئ الحجاج عادة في إدراك قيمة عناية كل فرد بأخيه مكان الأثرة والأنانية، ولم تكن المجموعة التي كنت أحد أفرادها أفضل حالاً، فقد جاء أصحابي، الذين يناهز عددهم الخمسين، من كل صوب من الولايات المتحدة، إلا أن معظمهم كان من ... الذين سرعان ما عزموا على ألا يتحابوا!

وقد كانت كراهيتهم المتبادلة تعبيراً ناطقاً عن مشاعر التحاسد القومية والعرقية التي يفترض أن يترفع عنها، ومع ذلك، وبالعودة بالذاكرة إلى الوراء، أرى أن هؤلاء قد أسدوا إلينا معروفاً عظيماً بضربهم هذا المثل السيء في الأيام الأولى من رحلة حجنا، إذ جعلوا سائرنا أكثر عزماً على إقامة صداقات وطيدة لمت الشمل وحملتنا على التعاون طوال الأسابيع الشاقة التالية»

إلى أن قال: «أثبت مبدأ الرعاية المتبادل جدواه إذ أنقذنا من أذى جسدي محقق في مواقف عدة«.

وننتفع بكلام الحاج روبرت بيانكي للقول بأن الأخلاق تأتي مع صاحبها فيمارسها في حجه، والحكومات التي قال عنها ببذلها المجهود نراها قدمت ما يقيها الانتقاد المادي لكنها قصرت في تربية الناس على أخلاق التعاون؛ لأن ذلك يكسر شوكتها ويجعلها عرضة لقوة الحشود!

ومن هنا نفسر سلوك كثير من جموع الحجاج، فهي جموع تمثل مجتمعاتها، وسلوكها كان تعبيراً عن أخلاق حملوها معهم، وبالمثل في جهادهم كانوا ثورة كاشفة للمكنون الاجتماعي التحاسدي التبغاضي لا التنافسي التعاوني!

وإن بقي المجاهدون يتباغضون ويزداد حقدهم وهم في ظلم وظلام فهم زائلون قبل عدوهم الجبان! وسيستبدلون ولا يستعملون، بذرية لا تكون أمثالهم. وأفادنا الباحث في تاريخ الفكر سعيد أبو زينة عن كتاب غير مترجم، عنوانه "نيتشه: سيرة حياة فلسفية" لمصنفه ستافرانسكي حيث نقل عن نيتشه رأيه في كون الحرب إشارة إلى محاولة التاريخ إعادة بعث الحياة في الحضارة .. وكأنها سماد يخصب الثقافة.

 قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)﴾ [سورة البقرة]

ونحن نخرج الآن بالملايين كارهين للموت وها نحن نلاقيه في ظلمات البحار وبطون الأسماك، ويفرح من يصل إلى عدوه الغربي الذي جعله يسعى ليصير عبداً برغبته! لكنا نسأل الله تعالى أن تكون مرحلة إحياء الأمة قد بدأت وأن نكون ممن يحيه الله بفضله.

 

التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut