01 شعبان 1438 هـ الموافق ٢٨ نيسان ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
هيدر

الماضي الذي نسيناه !

13:11 مساء الثلاثاء, 06 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-15 13:11:49

بسم الله الرحمن الرحيم يحكم التاريخ مجموعة من القوانين أو السنن الإلهية كالقوانين والسنن التي تحكم الطبيعة والكون، والأمة التي تُتقِن فقه هذه القوانين وتطبيقها تكون أجدر الأمم بقيادة العالم وبناء صرح الحضارة، حتى إذا تسرّب إليها الفشل في الفهم والتطبيق، تراجع دورها القيادي والحضاري، وتسلمته أمة أخرى أكثر فقهًا وعملًا. ولقد برزت الحضارة الإسلامية في ساحة التاريخ عندما علت هِمم أصحابها وأتقنت فقه التعامل مع قوانين التاريخ، فأخذت تشع النور وتبعث الحياة في القرون الوسطى، بل إنها تفرّدت عن باقي حضارات التاريخ بطهارتها وإنسانيتها بشكلٍ منقطع النظير، كما قدّمت لأبناء هذا الجيل الذي ينشد النهضة تجربة عملية كاملة الروعة في فن بناء الحضارة، أولى بنا أن نتبع خطاها، فلا حاضر لأمة تجهل ماضيها ولا مستقبل لأمة تُنكِر خصائصها وفضائلها وهى مما تتصل بالحضارة بأوفى سبب وأقوى نسب. وإذا كان الوقوف على الماضي للبكاء عليه والنحيب هو شغل الكسالى العاطلين، فإن تجاهله وازدراءه مع ما يفيض به من خيرٍ واسع ونور رحيب هو شأن الحاقدين أو الجاهلين، ومن الخير أن نستفيد من كنوزنا في بناء نهضتنا العتيدة لتكون النهضة مأمونة العواقب، غنية بما يمد لها من أسباب النجاح والبقاء، واضحة الملامح فيما تهدف إليه من كرامة وهناء، متصلة أمجادها بأمجاد الماضي، لتتصل أمجاد المستقبل بأمجادها فيستمر الموكب وتنسجم الحلقة ويكتمل البناء. بالعدل تقوم الحضارات: هذا هو القانون الأول من قوانين التاريخ والسنن الإلهية التي لا تتبدّل ولا تتغيّر عبر الزمان، ولما كان للعدل هذا الدور الهام في قيام الحضارات وضمان استمرارها وازدهارها، أولى الإسلام له اهتمامًا بالِغًا، وتنوّعت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بين الترغيب والترهيب مما كان له بالغ الأثر في تربية قادة وأجيال امتزجت حياتهم بالعدل بشكلٍ فريد، وقدّموا للبشرية نماذج نادرة في حُسن السيرة، وزينوا وجه التاريخ بالعديد من المواقف العادلة التي تتضاءل أمامها مواقف العدل في أي حضارة أخرى، فلا يسع المطالع لماضيهم إلا أن يقول سبحانك يا من خلقت هؤلاء. ولقد تبوّء العدل هذه المنزلة السامية في الحضارة الإسلامية نتيجة تربية إيمانية حكيمة واعية غرست معالمه في نفوس المؤمنين وجعلته أحد دعامات مركب النجاة لحياة راشدة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَ‌بِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرً‌ا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِ‌ضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً‌ا} [النساء:135]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابرٍ من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (رواه مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمور المسلمين شيئًا، فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم، احتجب الله عنه يوم القيامة دون خلته وحاجته وفاقته وفقره» (رواه أبو داود). فأفرزت هذه التربية قافلة العدل في حضارة الإسلام الذين بذكرهم تطيب المجالس، ولا يسعنا إلا أن نقطتف بعضًا من مواقفهم الجليلة نُقدِّم بها لأبناء الأمة خير قدوة، ونتذكر بعضًا من الماضي الذي نسيناه. فها هو الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه الذي يقول عنه ابن عمر رضي الله عنهما: "كان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائحنا. فسمعها أبو بكر، فقال: بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يُغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلقٍ كنت عليه. فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية: أتحبين أن أرغي لكِ أو أن أصرح، فربما قالت: أرغِ، وربما قالت: أصرح. فأي ذلك قالت فعل". وقال رضي الله عنه لعائشة أم المؤمنين حين حضرته الوفاة: "أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مِتُ فابعثي بهنّ إلى عمر وأبرئي منهن، ففعلتُ". فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل على الأرض، وقال: "رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده". ثم ها هو الفاروق عمر -الذي يشبه عدله الأساطير- ذات يوم يتلقى هدية من الحلوى، ولا تكاد توضع بين يديه حتى يسأل الرسول الذي جاء يحملها: "ما هذا؟ قال: حلوى يصنعها أهل أذربيجان، وقد أرسلني بها إليك عتبة بن فرقد -وكان واليًا على أذربيجان- فذاقها عمر فوجد لها مذاقًا شهيًا، فعاد يسأل الرسول: أكلُّ المسلمين هناك يُطعَمون هذا؟ قال الرجل: لا، وإنما هو طعام الخاصة. فقال عمر للرجل: أين بعيرك؟ خذ جملك هذا وارجع بها لعتبة، وقل له: عمر يقول لك: اتقِ الله واشبع المسلمين مما تشبع منه". وذو النورين عثمان الرحيم العادل، يغضب على خادم له يومًا فيعرك أذنه حتى يوجعه ثم سرعان ما يدعو خادمه ويأمره أن يقتص منه فيعرك أذنه، ويأبى الخادم ويأمره في حزمٍ فيطيع ويقول له: "اشدد يا غلام، فإن قصاص الدنيا أرحم من قصاص الآخرة". وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه الذي ما زانته الخلافة بل زانها بعدله، فيروي عنترة بن عبد الرحمن الشيباني قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وعليه قطيفة، وهو يرعد من البرد. فقلت يا أمير المؤمنين: إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبًا من هذا المال، وأنت ترعد من البرد؟! فقال: "إني والله لا أزرأ من مالكم شيئًا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي -أو قال: من المدينة-". وعن علي بن الأرقم عن أبيه قال: رأيت عليًا وهو يبيع سيفًا له في السوق، ويقول: من يشتري مني هذا السيف، فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته". ويعقد سليمان بن عبد الملك عقدًا ليس للشيطان فيه نصيب ويولي أشج بني أمية عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فلما تولى قالت رعاة الشاة في ذروة الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ فقيل لهم: وما عِلمكم بذلك؟ قالوا: إنا إذا قام على الناس خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شأننا. وكتبت إليه سوداء مسكينة تسمى (فرتونة السوداء) من الجيزة بمصر أن لها حائطًا متهدِّمًا لدارها يتسوّره اللصوص ويسرقون دجاجها، وليس معها مال تنفقه في هذا السبيل. فيكتب عمر إلى واليه على مصر (أيوب بن شرحبيل): "من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أيوب بن شرحبيل، سلام الله عليكم. أم بعد، فإن فرتونة السوداء كتبت إلى تشكو إلى قصر حائطها وأن دجاجها يُسرَق منها وتسأل تحصينه لها فإذا جاءك كتابي هذا فاركب بنفسك وحصنه لها". وكان الخليفة المهتدي رحمه الله يحب الاقتداء بما سلكه عمر بن عبد العزيز في خلافته من الورع والتقشف وكثرة العبادة.. يروي عنه جعفر بن عبد الواحد قال: "ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به ولكنه كان يخالف، كأني أشرت إلى آبائه. فقال: رحم الله أحمد بن حنبل لو جاز لي لتبرأت من أبي، تكلم بالحق وقل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني". والسلطان العادل جلال الدولة ملك شاه بن ألب أرسلان كان آية في حبه للعدل والإنصاف، جاء إليه يومًا رجلان قد ظُلِما فاستغاثا إليه، فقال: "خذا بيدي واحملاني إلى الوزير. فامتنعا، فقال: لا بد. فأخذ كل واحد منهما بيدٍ ومشى معهما، فبلغ ذلك الوزير (نظام الملك) فقام حافيًا وتلقاه، وقال: ما هذا؟ قال: أنت الذي أحوجتني إلى هذا؟ أنا أنصبتك لتدفع عني الظلم فإذا لم تدفع عني أخذاني يوم القيامة هكذا". ونور الدين محمود زنكي، مثل سامق في العدل، فكان رحمه الله يقعد في الأسبوع أربع أيام أو خمسة أيام في دار العدل للنظر في أمور الرعية وكشف الظلامة، لا يطلب بذلك درهمًا ولا دينار ولا زيادة ترجع إلى خزائنه، وإنما يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله وطلبًا للثواب والزلفى في الآخرة، ويأمر بحضور العلماء والفقهاء ويأمر بإزالة الحاجب والبواب حتى يصل إليه الضعيف والقوي والفقير والغني، ويُكلِّمهم بأحسن الكلام ويستفهم منهم بأبلغ النظام حتى لا يطمع الغني في دفع الفقير بالمال ولا القوي في دفع الضعيف بالقال، ويحضر في مجلسه المرأة العجوز الضعيفة التي لا تقدر على الوصول إلى خصمها ولا المكالمة معه فيأمر بمساواته لها فتغلب خصمها طمعًا في عدله ويعجز الخصم عن دفعها خوفًا من عدله. والملك العظيم الراشد (أورانك زيب عالم كير) الذي حكم الهند وهو في الأربعين من عمره ففتح البلاد ونشر الأمن والعدل وأمتدت دولة الإسلام من سفوح "الهملايا" في الشمال حتى شواطئ البحر في أقصى الجنوب، ومع هذه الفتوحات العظيمة كان ينظر في كل شئون الملك وقضايا الرعية بمثل عين العقاب فأزال كل آثار زندقة الملك (جلال الدين أكبر) وعدل الضرائب ومد الطرق العظيمة وأسس دورا للعجزة ومارستانات للمعتوهين ومستشفيات للمرضى، وبنى المساجد في جميع أنحاء الهند، وكان يكتب المصاحف بخطه ويبيعها ليعيش بثمنها بعد أن زهدت نفسه في أموال المسلمين، مع أن مفاتيح كنوز الهند كلها كانت بيده، وكان يمر عليه رمضان كله فلا يأكل إلا أرغفة من خبز الشعير من كسب يمينه لا من أموال الدولة. وغيرهم.. وغيرهم كثير من أفراد قافلة العدل التي ربَّاها الإسلام على عينه، وعلى قدر ما تطالع من تاريخ العظماء في كافة الحضارات لن تجد أروع ولا أنبل ولا أعدل من هؤلاء.. ولقد ذكروا في تاريخ "جورج واشنطن" محرِّر أمريكا أنه كان مارًا ذات يوم في بعض شوارع المدينة التي سُمِّيت باسمه، فرأى بعض الجنود يحاولون رفع حجر ويعجزون عن ذلك، والضابط واقف لا يحاول إعانتهم، فقال له واشنطن: ساعدهم على حمله. فأبى الضابط، وقال: إني لا أتنازل إلى هذا. فألقى واشنطن رداءه وساعدهم حتى حملوا الحجر ثم قال لهم: كلما احتجتم إلى مساعدة فاسألوا عن دار واشنطن. ورغم أنها نادرة تدل على خُلقٍ عظيم ولكن أين هي مما فعل أبو بكر أو عمر أو عثمان أو غيرهم ممن صنعتهم حضارة الإسلام. الحضارة والنزعة الإنسانية وجهان لعملة واحدة: هذا هو القانون الثاني من قوانين التاريخ.. فالنزعة الإنسانية شريان الحضارة الذي يمدها بالحياة، وأي أمة قامت على البطش والظلم سرعان ما تذوب وتذهب إلى مزبلة التاريخ، ولقد تميزت هذه النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية بشكلٍ واضح، فنقلت الإنسانية من أجواء الحقد والكراهية والتفرِقة العنصرية والعصبية الجاهلية إلى أجواء الحب والتسامح والتعاون والتساوي أمام الله تعالى ولدى القانون وفي كيان المجتمع، تساويًا لا أثر فيه لاستعلاء عِرق على عِرق أو فِئة على فِئة أو أمة على أمة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ‌بَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِ‌جَالًا كَثِيرً‌ا وَنِسَاءً} [النساء من الآية:1] {إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات من الآية:13]. ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ليُعلِن في خطابه الخالد: «الناس من آدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى»، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» (رواه مسلم). هذه هي مَعالِم النزعة الإنسانية في مبادئ حضارتنا وتشريعها حين أعلنت للناس فكيف كان واقعها حين حكمت وانتصرت؟ هل ظلت تلك المبادئ ميثاقًا كميثاق حقوق الإنسان في شرعة الأمم تحتفل الدول بذكرى إعلانه يومًا في كل عام بينما تمتهنه الدول الكبرى في كل يوم؟ هل ظلت تلك المبادئ حبيسة في البلد الذي أعلنت فيه كما احتبست مبادئ الثورة الفرنسية في فرنسا وحرمت على مستعمراتها؟ هل نصبت تماثيل جديدة كما نصب تمثال الحرية في نيويورك أول ما يراه القادم إلى تلك الديار، بينما تنطلق أعمال أمريكا في خارجها نطقًا يلعن الحرية ويهزأ بها ويضطهد عشاقها الأحرار؟ لنقتطف بعضًا من روائع النزعة الإنسانية في حضارتنا، وكيف أعلنتها حقائق ناطقة في تصرفات أفرادها وحكامها. جاء عدي بن حاتم الطائي إلى المدينة يومًا، وهو لم يُسلِم بعد، وحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وحوله أصحابه بعد منصرفهم من إحدى الغزوات، يلبسون الدروع السابغات، فراعه هيبة الصحابة لنبيهم واحترامهم له، وبينما هو كذلك إذ جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقيرة من إماء المدينة، وقالت له: أريد يا رسول الله أن أسر إليك شيئًا. فقال لها: «انظري في أي سكك المدينة أخلو لكِ» ثم نهض معها ووقف طويلًا يستمع إليها ثم عاد. فلما رأى عدي هذا الموقف تملكته روعة هذه النزعة الإنسانية في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة في السوق شيخًا كبيرًا يسأل الصدقة. فقال له: "ما أنت يا شيخ؟"، قال: أنا شيخ كبير أسأل الجزية والنفقة. وكان يهوديًا من سكان المدينة، فإذا بعمر الإنسان العظيم يقول له: "ما أنصفناك يا شيخ أخذنا منك الجزية شابًا ثم ضيعناك شيخًا"، وأخذ بيده إلى بيته، فرضخ له ما كان من طعامه ثم أرسل إلى خازن بيت المال، يقول له: "افرض لهذا وأمثاله ما يكفيه ويُغني عياله". وانظر إلى حضارة معيارها نور القلوب لا نور الوجوه، لما جاء المسلمون لفتح مصر توغلوا فيها حتى وقفوا أمام "حصن بابليون" فرغب (المقوس) في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدًا، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة نفر فيهم عبادة بن الصامت، وكان عبادة أسود شديد السواد طويلًا حتى قالوا إن طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام، فلما دخلوا على المقوقس تقدّمهم عبادة بن صامت فهابه المقوقس لسواده، وقال لهم: نحُّوا عني هذا الأسود، وقدِّموا غيره ليُكلمني. فقال رجال الوفد جميعًا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعِلمًا، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدّم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقةً وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدّم يا أسود، وكلِّمني برفق، فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك عليَّ ازددت لك هيبة. فقال عبادة -وقد رأى فزع المقوقس من السواد-: إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سوادًا مني". وكان عبد الملك بن مروان يأمر المنادي أن ينادي في موسم الحج أن لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة وعالِمها وفقيهها.. أتدرون كيف كان عطاء هذا؟ لقد كان أسود أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر لا يتأمّل المرء منه طائلًا، وكان إذا جلس في حلقته العلمية بين الآلاف من تلاميذه بدا كأنه غراب أسود في حقل من القطن.. هذا الرجل على دمامته جعلته حضارتنا إمامًا يرجع الناس إليه في الفتوى ومحل إكبارهم وتقديرهم. وجاء يومًا سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما فقال: يا بنيَ لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذُلنا بين يدي هذا العبد الأسود. وليس من أبناء العربية من يجهل كافور الإخشيدي العبد الأسود وقد حكم مصر في القرن الرابع الهجري وهو الذي خلّده المتنبي في مدحه وهجائه. بل إن مبادئ النزعة الإنسانية لم ننساها حتى في الحروب، وانظر إلى وصية أبو بكر الصديق إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهم: "لا تُمثِّلوا ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوامٍ قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا إليه أنفسهم". ولما وُلِّي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدرًا بغير حق، فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا، فنصب لهم الوالي (جميع بن حاضر الباجي) قاضيًا ينظر في شكواهم، فحكم القاضي -وهو مسلم- بإخراج المسلمين على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي وينابذهم وِفقًا لمبادئ الحرب الإسلامية حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة، فلما رأى ذلك أهل سمرقند مما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها، قالوا: هذه أمة لا تحارب وإنما حكمها رحمة ونعمة، فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي وأقرُّوا أن يُقيم المسلمون بين أظهرهم. ما أجل هذا التاريخ الذي ظفر بهؤلاء الأفذاذ من روائع الرجال، وما أكرمها حضارة أنجبت هؤلاء الأطهار، وفي عصر اهتزت معايير القدوة هل لنا أن نقتدي بهؤلاء لكل يعود لنا المجد الغابر؟! ------------------------------------------- المصادر: - (من يُظِلَّهم الله: د. سيد العناني). - (من روائع حضارتنا: د. مصطفي السباعي). - (البحر الرائق: د. أحمد فريد).

تابع القراءة>>

علاقة الدين بالسياسة

12:57 مساء الخميس, 11 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-21 12:57:30

يتساءل العلمانيون عن خبث طوية وسوء نية وكراهية لهذا الدين، ورفضًا لحاكميته فيقولون: "ما دخل الدين بالسياسة؟!" أما سفهاؤهم وكبار مجرميهم فيقولون: "ما دخل الله بالسياسة؟!". ويتساءل بسطاء المسلمين عن طيبة وافتقادٍ للممارسة السليمة: "ما علاقة الدين بالسياسية؟!". ومن باب الهداية والترشيد، ومن باب الإعذار وبيان الحق، نوضح علاقة الدين بالسياسة في جانبيها، العلاقة الصحيحة والعلاقة الخطأ، فنقول أن هناك ثلاثة محاور لهذه العلاقة: المحور الأول: العلاقة العقدية وهي تتمثل في: ‌أ. قبول حكم الله تعالى التشريعي في هذا المجال، وهذا أمر عقدي عند المسلم بقبول شرع الله ورفض ما سواه، وأن قبول الشرع هو قبول عام في جميع مجالات الحياة، ومنها السياسة، وإلا التزم المسلم شرعًا آخر وهذا يناقض عقيدته؛ فجميع المجالات خاضعة لمنهج رب العالمين، وهذا يعني قبول الحكم التشريعي من الله وحده، ولو كان مصالح مرسلة، تحقَق للمسلمين، فمرجعها ومردها إلى قواعد الشريعة ونصوصها. ب. وضع الشريعة موضع السيادة والحاكمية العليا لقيادة الحياة وتنظيمها، ووضع القوانين وتشريع النظم من هذا المنهج الرباني. ج. التزام الولاء الإسلامي: فلا يتحالف مع مشرك ضد مسلم، ولا يستأصل شأفة المسلمين ويبيد خضراءهم في مكان ما تحت راية كفار، أو متحالفًا معهم. المحور الثاني: أن الدين يحدد الهدف بتكليف إقامة الدين وتمكينه، وتصبح السياسة هي أخذ وتطبيق الوسائل التفصيلية في تحصيل المصالح والسعي للوصول إلى هذا الهدف، سواء السعي إلى حالة التمكين، أو بعد التمكين بتحقيق إقامة الدين واستقرار قيامه، ونشره في الأرض قيامًا بوظيفة نشر الرسالة، فالدافع إلى السياسة هو الدين، ومحدد الهدف هو الدين، والمكلِف بالعمل هو الدين. ولا بد من هدف في العملية السياسية؛ فإذا غاب الدين فمن يصنع الهدف، الأهواء أم الشهوات أم المصالح المضطربة بلا ضوابط؟! المحور الثالث: التزام قيم هذا الدين، وهذا على محاور: ‌أ. التزام القيم الخلقية كالصدق والوفاء والبر والنظافة، وحرمة الدم والمال والعرض، وبذل الخير للأمة، وبذل الخير للخَلْق مسلمين وغير مسلمين، كقيم تفرضها علينا عقيدتنا {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ} [آل عمران من الآية:104]. ب. رفض قيم الانتهازية والوصولية واستحلال الكذب والدجل والخداع والاستهانة بالدماء والأموال والأعراض، ورفض الصفقات المشبوهة والاستغلال القذر للإعلام وغيره من قذارات السياسة المتحللة من الدين. ج. التزام تميز الحق ووضوحه والجهر به، وعدم خلطه بغيره أو التباسه مع رايات مموهة، والحفاظ على عِزته وتفرده لأن هذا بيان عملي للإسلام، ومن حق البشرية علينا أن ترى الحق متجردًا غير ملتبس. د. التزام الرخَص الشرعية وعدم تعدّيها، كالتعريض كمندوحة عن الكذب، والتورية كما كان يستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتمان ما لا يُفشى إلى عموم الناس: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء من الآية:83]، وغيرها من الرخص المحددة بوظيفة، ومقدرة بقدرها، وخادمة لأهداف ومصالح شرعية عليا، وغير مخلّة بقيم الدين الخلقية. هـ. تحقيق العبودية لله تعالى من خلال التعاون مع الغير، فمن العبادات ما يقوم به الفرد وحده، ومن العبادات ما لا يقوم به إلا بالتعاون مع الغير في تحقيق تكليف شرعي، وهذا ينطبق على النشاط العام والجماعي، ومنه السياسة. السياسة مجال للعبودية كبقية مجالات النشاط الإنساني العام والخاص، الفردي والجماعي، فمن رفض عبودية الله فيها فقد خسر، ومن لم ير الممارسة فجهل الحقيقة فهذا بيانها، ومن أراد ولوجها فهذا هو المأخذ، وهو ليس مأخذًا صوفيًا محلقًا، بل هو أمر منضبط بأحكام وقوانين تُتلقى من الله، ومؤسسات تأخذ شرعيتها من التزام شرعه تعالى. أما العلاقة الخطأ بين الدين والسياسة فهي تسييس الدين، بمعنى أخذ القرارات السياسة والاتجاهات المبنية على الهوى وخدمة الأهواء المختلفة، ثم الاستدلال على ذلك بالدين بليّ النصوص وتطويعه ليوافق ما يريد الفاسدون! واستخدام الأجراء من العلماء الفاسدين في ذلك. المفارقة العجيبة أن من يقوم بتسييس الدين هم أشد الناس رفضًا لحاكميته، إذ يخترعون دينًا يطوع لهم الجماهير، ليمنعوا إقامة دين الله تعالى الحق كما أراد الله! وصلى الله وسلم وبارك على أكرم الخلق محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تابع القراءة>>

فاحكم بينهم .. أو أعرض عنهم

15:31 مساء الخميس, 19 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-09-03 15:31:04

أستاذٌ فاضلٌ كان كثيراً ما يكرر على مسمعي هذه الكلمات: "أساس الخلل في كثير من الانحرافات المعاصرة أنها تعتمد على بعض النصوص وتترك بعضاً، فأخذُها ببعض النصوص جعلها تظن أنها تعتمد على الشريعة، ولو نظرت في النصوص جميعاً لظهر لها الانحراف بشكل جليٍّ". وما أكثر الوقائع التي جعلتني أتذكر هذه الكلمات، وأكثر شيءٍ شدني فيها أنها تفسر حالة بعض الانحرافات التي تستدل (بصدق) بآيات من القرآن أو بأحاديث من سُنة النبي صلى الله عليه وسلم في ما يُعلم -قطعاً- أنه مخالف لأحكام الشريعة وتأباه قواعدها وأصولها ولا يقول به فقيه، وهو أحد تطبيقات اتباع المتشابه الذي حذرنا الله تعالى منه في كتابه {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران:7]. تذكرت هذه الكلمات مرة أخرى قبل أيام لما رأيت بعض الناس يستشهد بقول الله تعالى: {فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة:42] يستدل بها على أن من رفض أن يحكم بالشريعة فلا يُلزَم بها، فلا بد أن يختارها ويؤمن بها، وحين لا يكون مؤمناً بها لا يكون ملزَماً كما خير الله في هذا الآية نبيه صلى الله عليه وسلم في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم، ولو كان الحكم ملزماً لما حصل اختيار. صدمت من هذا الاستدلال؛ لأن هذه النتيجة تضرب حكماً قطعياً من أحكام الإسلام؛ فكيف استهان أن يضرب هذا الأصل بمجرد فهم عارض طرأ عليه؟ وحتى لو جهل الباحث عن الحق معنى هذه الآية فمن العقل والحكمة أن ينظر في النتيجة التي يأخذها من الآية؛ فلا يمكن أن يأتي بها على حالة يراها ممزِّقة لأحكام وآيات كثيرة؛ فأين هو عن قول الله تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ} [المائدة:48] {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105] {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65] ونحو هذه الدلائل القاطعة أن الإسلام حاكم على الجميع ولا يجوز تجاوزه أو التخيير في حكمه بمجرد أن أحداً أو جماعة لا تريد ذلك. إذن، ما تفسير قول الله تعالى: {فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة:42] لأهل التفسير اتجاهان في تفسير هذه الآية: الاتجاه الأول: يرى أنها منسوخة بقول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة:94]. والاتجاه الآخر: يرون أنها غير منسوخة وأنه لا تعارض بينها وبين قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة:94]؛ لأن المقصود أنه مخيَّر، فإذا حكم وجب الحكم بما أنزل الله (تفسير الطبري: [10/ 325 - 330]). وبناءً عليه، يرى بعض الفقهاء أنه يلزم القاضي أن يحكم بينهم إذا ترافعوا إليه(1)، ويرى آخرون أنه لا يلزم القاضي أن يحكم بين أهل الكتاب حين يأتوه(2). وعلى كلا اتجاهي التفسير، وعلى كلتا الرؤيتين الفقهيتين فالحكم يتعلق بجزئية معيَّنة، هي تحاكُم أهل الكتاب إلى القاضي المسلم في ما لا يلزمهم من أحكام الإسلام؛ فالآية لا تتحدث عن (أهل الإسلام) الذين يلزمهم أن يحكموا بالإسلام في كافة قضاياهم، ولا تتحدث عن (أهل الكتاب) فيما يلزمهم من أحكام الإسلام؛ إنما موضوع الآية في بعض الأحكام التي جعلت الشريعة لأهل الكتاب بأن لهم أن يتحاكموا فيها إلى دينهم، فإن اختاروا التحاكم إلى المسلمين فهل يلزم المسلمين الحكم بينهم؟ هذا هو محل الآية، هو في الحكم بين أهل الكتاب فيما لا يلزمهم، فجاء هذا الاستدلال ليجعله حكماً عاماً لجميع الناس مسلمهم وكافرهم، ويجعله حكماً عاماً لكافة القضايا ولو أدى لعدم الحكم بالإسلام، فضرب في أصول الإسلام يمنة ويسرة من حيث يظن أنه يستدل بآية قطعية الثبوت والدلالة! وهي مشكلة قد لا تظهر للقارئ إلا بعد أن ينظر في النصوص كلها فيتضح له عمق هذا الإشكال ومخالفته القطعية؛ لهذا كان العلماء يوصون بأهمية الرجوع لكلام أهل العلم بكتاب الله قبل الحكم لأنهم ينظرون في النصوص جميعاً فلا يقعون في مثل هذه الانحرافات والأخطاء الفادحة. فهذا الخطأ صدم برأيه المتسرع أمرين محكَمَين من محكَمَات الشريعة التي أجمع العلماء عليها: المحكَم الأول: أن المسلم لا يُحـكَم في النظام الإسلامي بغير الإسلام أبداً، وحتى لو اختلف مع كِتَابيٍّ فيجب الحكم بينهم بحكم الإسلام، وهو محل وفاق بين العلماء، وفيه ما لا يحصر من نقولات الإجماع، فمنها -مثلاً-: "فأما إذا كان التحاكم بين مسلم وذمي ومعاهد وجب على الحاكم أن يحكم بينهم قولاً واحداً -سواء كان المسلم طالباً أو مطلوباً- لأنهم يتجاذبان إلى الإسلام والكفر فوجب أن يكون حكم الإسلام أغلب" (الحاوي في فقه الشافعي: [9/308]). "واتفقوا -في ما أعلم- على أنه إذا ترافع مسلم وكافر أن على القاضي الحكم بينهم" (الذخيرة: [10/112]). "وإن تحاكم مسلم وذمي وجب الحكم بينهما بغير خلاف لأنه يجب دفع ظلم كلِّ واحد منهما عن صاحبه" (المغني: [10/191]). "فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه؛ لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة" (تفسير البغوي: [3/59]، وشرح السنة للبغوي: [10/287]). وغيرهم ممن نقل هذا الإجماع المحكَم(3). وإذا كان هذا في مسلم مع كتابي؛ فكيف إذن إن كان بين مسلمين؟ فليس للمسلم خيار في قبول الشريعة أو رفضها {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]؛ بل إن رفضها يعتبَر في النظام الإسلامي جناية تستحق العقوبة وليس المكافَأة! المحكَم الثاني: أن هذا ليس في كل القضايا بل في بعض القضايا التي تركتها الشريعة لأهل الكتاب، وليس في كل الأحكام فإن "الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأن عهود الذمة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللُهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم". فحكم الإسلام شامل بعدله ورحمته وكماله جميع المنضوين تحت سلطانه؛ غير أنه ترك لغير المسلمين بعض الأحكام فجعل لهم أن يتحاكموا فيها بينهم لأن حكم الإسلام فيها أنهم غير ملزمين بأحكام المسلمين، وذلك مثل عباداتهم وأنكحتهم ومعاملاتهم وما يستحلونه كشرب الخمر، وأما ما تجاوز ذلك فهم ملزمون فيه بأحكام الإسلام. وثَمَّ اختلاف في فروع المذاهب الفقهية في حدود ما يختص بغير المسلمين فعله مما لا يجوز للمسلمين فعله، سيصل قارئها لنتيجة قطعية ظاهرة هي أن ثَمَّ مساحةً معيَّنة (بشروطها) فقط هي التي لا يلزمهم فيها حكم الإسلام، وهي التي جرى الخلاف فيها في ما لو جاؤوا هل يلزم الحكم بينهم؟ لأنها مساحة تركتها الشريعة لهم، ولن يجد أحداً يقول: إنهم مخيَّرون في أحكام الإسلام كلها، بل هم متفقون على لزوم أحكام الإسلام عليهم في الجملة(4). خلاصة هذا الكلام كله: أن حكم الآية خاص بأهل الذمة فقط، وخاص ببعض أقضيتهم، لكن هذا تحوَّل بكل تهاون وعجلة إلى أن يكون شاملاً للمسلمين، وشاملاً لكل القضايا، من دون أن يتروَّى قائله قليلاً في هذه النتيجة التي تضرب في المحكمات من حيث لا يشعر! فعجباً كيف يستدل بآية قرآنية ليقع في هذا الخطأ الفادح! وفيه عِبَر: 1 - ضرورة النظر في النصوص جميعاً، وأن الاستدلال بالنص الشرعي لا يكفي ما لم يضم لجميع النصوص في الـباب حتى يتضح مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم. 2 - ضرورة مراجعة كلام أهل العلم والنظر في أقوالهم وتفسيراتهم؛ فمن الكسل المعرفي والعجز العلمي أن يخوض المسلم في مثل هذه القضايا الكبيرة وهو خِلْو الذهن عن الاستفادة من تراث قرون تعاقبت فيها الأذهان والأقلام في التحرير والنظر والتدبر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. 3 - ضرورة صيانة أحكام الشريعة من التفسيرات العاجلة التي يدفعها ضغط واقع معيَّن أو حاجة ماسة ما، فيجد المسلم نفسه يتقبَّل كثيراً من الأقوال والتفسيرات متخففاً من الأصول المنهجية والقواعد العلمية في النظر والاستدلال لأن ثم قوة دافعة تجعله لا يقف عندها كثيراً. ---------------------------------- الهوامش: [1] هو مذهب الحنفية، والقول الجديد عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، انظر: بدائع الصنائع: [2/312]، والحاوي: [9/307]، المغني: [10/190]. [2] هو مذهب المالكية، والحنابلة، والقول القديم عند الشافعية، انظر: الذخيرة: [3/458]، والمغني: [10/190]، والحاوي: [9/307]. [3] انظر: تفسير الخازن: [2/55]، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي: [7/343]، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: [6/148]، وتفسير الجلالين ص[144]، وفتح القدير: [2/61]. [4] انظر في المذاهب الأربعة: بدائع الصنائع: [7/113]، الذخيرة للقرافي: ص[457 - 458 و 326]، والحاوي للماوردي: [14/386 - 387]، والمغني: [10/190] وعند المفسرين انظر: المحرر الوجيز: [2/226]، والجامع لأحكام القرآن: [6/185]، والتحرير والتنوير: [6/205 - 206]. 7 ربيع الثاني 1433هـ

تابع القراءة>>

الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم

15:50 مساء الخميس, 12 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-08-27 15:50:22

إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا يتجزأ، فهو يضم في جنباته السياسة والاقتصاد وكافة العلوم الشرعية وغير الشرعية، كما أن رسولنا الكريم، وخلفاءه من بعده، كانوا هم قادة السياسة، فهم الحكام وهم أيضا من يدير شؤون البلاد ومصالح العباد، واستمر الحال على ذلك طيلة مئات السنوات التي كانت الدولة الإسلامية تتبنى الإسلام منهجا لها وطريقا لإدارة شعوبها. ولم يعرف المسلمون مصطلح (الإسلام السياسي) بمفهومه السلبي للإسلام إلا في السنوات المتأخرة وبسبب ظروف سياسية اقتضتها مصالح الغرب وقد اتفقت مصالح الليبراليين العرب مع مصالح الغرب وأعداء الإسلام عامة، فاجتمع هؤلاء على فكرة تشويه الإسلام وتشويه من يطالب أو يعمل على تمكينه من حياة المسلمين في بلادهم، بادعاء أن هؤلاء هم من دعاة الإسلام السياسي وكأن هذا النوع من الإسلام - بزعمهم - لا يمت للإسلام بصلة وأن من الواجب محاربته والوقوف مع الغرب في حربه وحرب من ينادي به. الحرب على ما يعرف بـ(الإسلام السياسي) بدأه الغربيون، لأنهم يعرفون أن هذا النوع من الإسلام هو الذي ينازعهم الرئاسة في بلاد المسلمين، وهو الذي يقاوم مشاريعهم الاستعمارية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، ولأنهم يريدون استغلال بلاد المسلمين بكل ما فيها، فقد وجدوا أن المسلمين الذين يفقهون دينهم هم الذين يقاومونهم، فلم يجدوا طريقا لمقاومة ذلك إلا بمحاولة تشويه الإسلام أمام أبنائه ليخلو لهم الجو الاستبدادي الاستعماري الذي يريدونه. ومنذ احتلال العراق وأفغانستان ومن ثم ما عرف بالربيع العربي برز مصطلح (الإسلام السياسي) بقوة، استخدمه الأمريكان والغرب لتبرير جرائمهم ثم تبعهم بعد ذلك كثير من الليبراليين العرب الذي هاجموا - وما زالوا - المسلمين الذين قاوموا المحتل أو الذين أرادوا إيجاد نوع من الحكم يتفق مع دينهم - ولا يتفق طبعا مع مصالح الغرب - فاتهموهم بممارسة (الإسلام السياسي) على اعتبار أن هذه الممارسة تخالف الإسلام، وفي جزئية كراهية الإسلام اتفق الليبراليون العرب مع الغربيين، فعملوا جميعا على تشويه الإسلام ومن يعمل من أجله. هذا النوع من دعاة الليبرالية خالفوا منهجهم الفكري الذي يدعون الإيمان به، وأصبحوا يمارسون العبودية المطلقة للغرب وأعوانه، وأصبحت أهواؤهم ومصالحهم وكراهيتهم للإسلام كله هي التي تقودهم لحرب الإسلام واختراع الأكاذيب لتبرير ذلك الهجوم القذر على الإسلام. وقد رأينا كيف أن الليبراليين وقفوا مع المشروع الأمريكي في قضايا تغيير المناهج الدراسية بحسب المفهوم الأمريكي وليس بحسب مصالح المسلمين، كما اتفقوا معهم على منهج تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وليس بالديمقراطية التي طالما طنطنوا بالدعاية لها، فأصبحت القوة هي الطريق إلى الديمقراطية أما صناديق الاقتراع التي لا تحقق أهواءهم فهم من أشد دعاة الحرب عليها حتى لو قتل من أجل ذلك آلاف البشر. الديمقراطية عند الغربيين مجرد لعبة يحققون بواسطتها أهدافهم السياسية، وهذا المفهوم الأعرج للديمقراطية تحدثت عنه (كيركيا تريك) مستشارة البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي السابق (ريجان)، وكانت أيضا ممثلة أمريكا في الأمم المتحدة، قالت: (إن الديمقراطية مجرد لعبة لتحقيق مصالح الغرب وأن قيم الغرب وسياساته خاضعة للعبة المعايير المزدوجة)، والمفكر الغربي (روبرت كانمان) قال في كتابه (الديمقراطية والمعايير المزدوجة): (إن الجميع في الغرب يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي، والسبب أنهم يقولون: إن التعامل مع الحكومات الفاشية أسهل بكثير من التعامل مع الحكومات الإسلامية)، وقريب من هذا القول ذكره الفرنسي (أوليفيه روا) الخبير بشؤون الإسلام السياسي، قال: (عندما يكون على الغرب الاختيار بين العلمانية والديمقراطية فهو يختار العلمانية دائما، وعندما تكون العلمانية في كفة والديمقراطية في كفة أخرى كما في الجزائر وتركيا، فالغرب يختار دائما العلمانية لا الديمقراطية، الغرب يفضل النظام التسلطي الدكتاتوري على وصول الإسلاميين للسلطة). إن الذي يزعج الغرب ليس هو الإسلام السياسي كما يقولون وإنما هو الإسلام بحد ذاته، وهذا الواقع أكده الخبير الأمريكي المعروف (صومائيل هنتنغتون) الذي قال: (إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين وإنما الإسلام ككل)، ونحن نفهم من الواقع الذي نراه أنهم يعادون الإسلام الصحيح الكامل الذي يقبل على الآخرة كما يقبل على الدنيا، ولكنهم يتعايشون ويشجعون الإسلام الخامل الذي يدعي الإقبال على العبادة فقط، ولهذا فهم يشجعون على التصوف وبكل طرقه، فهم لا يهمهم كثرة المصلين أو كثرة قارئي القرآن ومن في حكمهم، خاصة إذا كان هؤلاء يقتصرون على العبادة فقط ويتركون قيادة بلادهم واقتصادها في أيدي الغربيين والأمريكان وهكذا ثقافتها وسائر قضاياها الأخرى. الليبراليون العرب ومن منطلق كراهيتهم للإسلام كله، يرددون كالببغاوات أن الإسلاميين يريدون الوصول إلى الحكم، وأن الإسلام السياسي هو الذي يسيء إلى المسلمين!! وأعجب من هذا المنطق الغبي الذي خجل الغرب منه - ظاهريا على الأقل - فما المانع في أن يصل الإسلاميون إلى الحكم إذا كان وصولهم إليه بحسب المعايير التي وضعتها بلادهم؟! لماذا يحق لكل حزب ولكل مذهب أو دين الوصول إلى الحكم ويحرم ذلك على المسلمين؟!! لقد أثبت الواقع أن معظم الليبراليين عروا أنفسهم وأثبتوا أنهم لا يؤمنون بما يقولون، فصفقوا لكل من وصل إلى الحكم من غير الإسلاميين وأيضا لكل من انقلب على الديمقراطية وصادر حرية الشعوب واختيارها، ولكن مبادئهم الزائفة ضاقت عن قبول الإسلاميين بأي صورة كانت، فآثروا الاصطفاف إلى جانب الغرب في عدائه للإسلام وللمسلمين، وإذا كان الغربيون ينظرون إلى مصالحهم بعيدا عن مصالح المسلمين أو دينهم وإذا كان فعلهم هذا يشكل جزءا من مساوئهم، فإن فريقا من الليبراليين العرب أكثر منهم سوءا، لأنهم نصبوا العداء لدينهم وأمتهم وقبلوا أن يكونوا مطايا للغرب وأهدافه. الشيء المطمئن أن أكاذيب الغرب ومعهم الأمريكان وأبواقهم الليبراليون العرب أصبحوا مكشوفين وهذا سيجعل العرب يتعاملون معهم بصورة مغايرة، حتى وإن كانت بطيئة!!.

تابع القراءة>>

إشكالية الغلو في الجِهاد المعاصِر

14:23 مساء الخميس, 28 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-13 14:23:23

الحمدُ لله القائلِ: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، والقائلِ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41]. والصَّلاة والسَّلام على نبي ِّالرحمة والملحَمة، القائلِ: ((لرَوْحةٌ في سبيلِ اللهِ أو غَدوةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها)) (رواه البخاري)، والقائلِ: ((مَن مات ولم يَغزُ، ولم يحدِّث به نفسَه، مات علَى شُعبةٍ من نفاقٍ)) (رواه مسلم). أمَّا بعدُ: فإنَّ مِن أصول أهل السُّنَّة والجماعة اعتقادَهم بفرضيَّة الجهاد وبقائِه إلى قيام السَّاعة؛ طلبًا ودفعًا، وهو من أفضلِ القُرُبات، ومن أعظم الطَّاعات، والآياتُ والأحاديث في فضلِ الجهاد والمجاهدين بالمال والنَّفس، والتحذيرِ من تركه، والإعراضِ عنه، أكثرُ من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر، لكن مِن المؤسف أنَّ بعضَ من اشتغل بالجهاد صار عنده غُلوٌّ وتجاوز، فكمْ نصَح لهم الناصحون، وتكلَّم المشفِقون، وحذَّر المحذِّرون، لكن ما من مستجيب! وما زال بعضهم يتَّهمون مخالفيهم، بل ناصحيهم، بالجهل والتضليل تارةً، وبالعمالة تارةً أخرى، في سلسلةٍ طويلةٍ من الاتهامات تنبئ عن عدم قَبول النُّصح، الأمر الذي جعَل بعض المناصرين لشعيرة الجهاد يُحجمون عن الردِّ، فتفاقمَ الأمرُ حتى بات السُّكوتُ عن ذلك خيانةً للأمانة التي حمَّلها الله أهلَ العلم؛ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]. وفي هذه الوريقات إشارات ووقفات لبعض الشُّبهات والأطروحات على السَّاحة الجهاديَّة؛ موجَّهة بالدَّرجة الأولى إلى الشَّباب المتحمِّس للجهاد؛ لعلَّ الله أن ينفع بها، وليس الهدفُ منها ذِكرَ مثالب الجهاد والمجاهدين، فباطن الأرضِ خيرٌ من ظاهرها لمَن سوَّلت له نفْسُه ذلك، ولكنَّه النُّصح المحض لهم وللأمَّة، والله على ما أقولُ شهيد. وقبل البَدء، هذه خمسُ إشاراتٍ تُؤسِّسُ لما يأتي من وقفات: الإشارة الأولى: عدَمُ حثِّ الشباب على الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، لا يَعني تثبيطَهم عنه، ولا تنفيرَهم منه؛ فهناك فرقٌ بين التَّثبيط عن الجِهاد والتنفيرِ منه، وبين عدم الحثِّ عليه، لا سيَّما إذا كان عدَمُ الحثِّ راجعًا إلى مقصدٍ شرعيٍّ. الإشارة الثانية: تحذيرُ عالمٍ من العُلماء من الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، لا يَعني تحذيرَه من الجِهاد بإطلاق؛ فقد يكون ظهَر له سببٌ دَعاه إلى ذلك. الإشارة الثالثة: تحذيرُ عالمٍ من العلماء من الذَّهاب إلى ساحة الجهاد في بلدٍ ما، تحتَ راية فصيلٍ من الفصائل، لا يَعني تحذيرَه من الجهاد تحت راياتٍ أُخرى في ذاك البلد نفْسه؛ فقد يكون ظهَر له غلوُّ هذا الفصيل واعتدالُ غيره. الإشارة الرابعة: مسألة كون الجهاد في بلدٍ ما فرضَ عينٍ أو فرضَ كفايةٍ، من المسائل الاجتهاديَّة التي لا يُضلَّل القائلُ فيها بأحد الرأيينِ. الإشارة الخامسة: غلوُّ جماعة أو فصيلٍ جهاديٍّ لا يُقاس فقط بما هو مسطَّر في كتُبهم وأدبيَّاتهم، بل لا بدَّ من النَّظر في ممارساتهم العَمليَّة؛ فالعِبرة بالأفعال، لا بالأقوال فقط. الوقفات الوقفة الأولى: الموقِف من العُلماء والدُّعاة الربانيِّين العلماء الرَّبانيُّون ورَثةُ الأنبياء، وهم مصابيح الهُدى في دياجير الدُّجى، بهم يُرشَد الضالُّ، ويُهدَى الحيران، رفَعهم الله بالعِلم، وزيَّنهم بالحِلْم، وهم الذين أمَر الله بردِّ المتنازَع فيه من الأحكام إليهم، ومع ذلك فهُم غيرُ معصومين؛ فقد يُخطئ الواحد منهم، والاثنان، والثلاثة، وأكثر، وفي هذه الحالة لا نَقبل منهم خطأهم ولا نتَّبعهم فيه، لكن أن تجتمعَ كلمتُهم، أو جمهورهم في مسألةٍ ما - وقد تكون من النَّوازل - ثمَّ لا يُكترَثَ لها، ويظلَّ فِئامٌ من الناس لا يُلقون لها بالًا، ولا يستمعون إليهم، ويصرُّون على التعصُّب لأقوال مَن يُوافق مراداتهم، مع تخوينٍ ظاهرٍ لعامَّة أهل العلم؛ فهذا عينُ الحِزبيَّة التي لا نرضاها لشباب هذه الأمَّة. ورأيُ جمهور أهل العلم الصَّادقين النَّاصحين في نازلةٍ من النوازل، لا شكَّ أنَّه الأقربُ للصَّواب، أمَّا اللَّهْث وراء الفتاوى الحماسيَّة العاطفيَّة - التي تفتقِد إلى كثيرٍ من العِلم والفِقه بالواقع، ومراعاةِ مآلات الأمور، والحِلم والأناة - فهو من الجَهل والتعصُّب الذي ابتُليت به الأمَّة قديمًا وحديثًا. وممَّا يؤدِّي إلى مِثل هذا الاحتقان والنفرة من مشايخ العِلم والحِكمة - التي ينبغي أن يقِف عندها الشباب وقفةَ إنصافٍ - ما يُردِّدُه بعض المهتمِّين بالجهاد من أنَّ هؤلاء المشايخَ يسعَون لإسقاط رموز الجهاد، ويُسفِّهونهم، ويحقِّرون خِطابهم، وأنَّهم يَسعَون لإسقاط الجهاد نفْسه، وهذا لعمرُ الله افتراءٌ على المشايخ، والأصل: أنَّ العلماء والدُّعاة الربانيِّين يُعظِّمون الجهاد، ويَحفظون لأهله قدْرَهم، لكن ليس معنى ذلك أن يسكُتوا عن غلوٍّ أو أخطاءٍ في اجتهاداتِ بعض المجاهدين؛ فالله قد عاتَب خيرَ هذه الأمَّة - صحابةَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ورضِي عنهم وأرضاهم - وهُم في ساحة المعركة، فقال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152]، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (نزلتْ فينا يومَ أُحُد)؛ فمِن الخطأ أن يُعدَّ الحديث عن أخطاء المجاهدين وغلوِّ بعضِهم إسقاطًا لرموز الجهاد، لكن بعض مَن يردِّد ذلك للأسف ينظُر إلى الجهاد نظرةً حزبيَّةً ضيِّقة، فالجهاد عنده هو جهادُ فصيلٍ بعينه، ورموزُ الجهاد هم فلانٌ وفلان؛ فمَن حذَّر من هذا الفصيل أو أخطاءِ بعضِ رموزه، فقد أسقط الجهادَ كلَّه، حتَّى لو دعم الفصائل الأخرى، بل لو شارَك فيها بنفْسه! وهذا من تحجيمِ الجهاد وتقزيمه في فصيلٍ بعينه، وساحاتُ الجهاد لا تتحمَّل مِثلَ هذه الحزبيات؛ {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، والعجيبُ أنَّك تجد بعضهم إذا أيَّد أحدُ العلماء أو طلابُ العلم الكبار حركةً جهاديَّةً صادقةً غير حركتهم، أو أثنى عليها، اتَّهموه بالحزبيَّة! الوقفة الثَّانية: تنزيل أحكام فرْض العين على الواقِع المعاصر من مسائل الجِهاد التي تحتاج إلى وقفة تأمُّل: الحُكم بأنَّ الجهاد فرضُ عينٍ في بلد معيَّن، وتضليل مَن لم يقُل بذلك، وتجهيله واتِّهامه؛ فتجدُ بعضَ المجاهدين أو مَن يتبنَّى رؤيتَهم يحشُدُ عشراتِ الأقوال التي تنصُّ على أنَّ العدوَّ إذا داهم بلدًا مسلمًا، وَجَب على أهله الدِّفاعُ عنه، ورفْعُ راية الجهاد ضدَّ العدوِّ، فإنْ لم يستطعْ، فيجب على الأمَّة كلِّها أن تهبَّ لنُصرتهم، وإلَّا أثِموا جميعًا. وهذا الحُكم من الناحية العِلميَّة التنظيريَّة صحيح - وإن كان بحاجة إلى تفصيل ليس هذا محلَّه - لكن تطبيقهم له ينقُصه الكثيرُ من الفقه والبصيرة؛ فالمسلمون اليوم في ضَعْفٍ شديد، وأعداءُ الداخل من الليبراليِّين والعلمانيِّين والرافضة يُخطِّطون لتدمير ثوابت الأمَّة قبل أعداء الخارج، وأكثرُ بلاد المسلمين فيها جراحٌ ومآسٍ؛ في فلسطين، والعراق، وسوريا، والصومال، وأفغانستان، وكشمير، والفلبين، وبورما وغيرها، وفي كثيرٍ منها حركاتٌ جهاديَّة؛ فهل يصحُّ أن نقول لجميع الناس: اذهبوا واترُكوا ما أنتم فيه من عِلمٍ وتعليم، ودَعوةٍ، وأمرٍ بمعروف، ونهيٍ عن منكَر، وجهادٍ باللِّسان، ومدافعةٍ للباطل، وتوجَّهوا إلى البلد الفلانيِّ، واتركوا بلدانَكم يعبَث بها العلمانيُّون والتغريبيُّون؟! أيُّ عاقل هذا الذي يدْعو إلى إخلاء بلاد المسلمين من أهل العلم، والآمِرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والذَّابِّين عن حياض الإسلام؟! فضلًا عن أنَّ هذا البلد المنكوب من بلاد المسلمين يُعاني أهلُه من نقصٍ في الطَّعام والشَّراب، والدَّواء، والكِساء، والمسكَن، وقبل كلِّ ذلك يُعاني من نقْص في السِّلاح، ولو ذهبت أعدادٌ كبيرة، لكانت عبئًا عليهم! وقد يقول قائلٌ: نحن لا ندعو إلى ذَهاب جميع النَّاس، نحن ندعو إلى ذَهاب مجموعةٍ منهم، حتى تحصُل الكفاية. فيُقال لهم: وكيف نعرِف حُصولَ الكفاية؟ هبْ أنَّ عشرةً من الكتائب الجهاديَّة أقرَّت بحصول الكِفاية، فسيأتيك مَن يقول: هناك كتائبُ تقول: إنَّها ما زالت بحاجة ولم تحصُل لهم الكِفاية! وهكذا سيقولون لو ذهب عشراتٌ أو مئاتٌ أو آلاف؛ فهل من نهاية لهذا الأمر؟! وقد يقول قائلهم: الكفاية تحصُل بهزيمة العدوِّ، وفي الحالة السوريَّة بسقوط نِظام الأسد. فيُقال لهم: فهل حصَلت الكفايةُ في أفغانستان بسقوط الروس؟! وهل حصلت في العراق بخروج الأمريكان؟! وهل أقيمت فيهما دولة الإسلام؟! ويُقال مثل ذلك عن الصُّومال، وغيرها من بلاد المسلمين المنكوبة. فهل سنظلُّ نوجب على جميع الناس ونستنفرهم للذهاب للقتال هناك؟! وما يُقال عن الذَّهاب للقتال، يُقال عن العلماء وطلبة العِلم والأطبَّاء وغيرهم، فهل المطلوب أن نستنفر كلَّ هؤلاء؛ ليخرجوا من بلدانهم ويتركوها فريسةً للأعداء، ويذهبوا إلى ساحات القتال؛ هل يقول ذلك عاقلٌ، فضلًا عن عالِم يَفقه الدِّين، ويفقه الواقع؟! إنَّ مسائلَ العِلم الكِبار، والمسائل التي تمسُّ الأمَّةَ بعامَّة تحتاج إلى نظرٍ ثاقب، وتمامِ علمٍ وتجرِبة، ولا يتمُّ معالجتها من خلال الحماس، ولا بالنَّظر من زاوية واحدة فحسبُ، دون اعتبار للمآلات. وهذا مردُّه إلى أهل العِلم الصَّادقين الرَّاسخين فيه. ومخالِفُ ذلك لا يضرُّ العلمَ وأهلَه شيئًا، ولكنه يُعرِّض نفسه للمهالك في غير ما سداد؛ إذ يتنكَّب ما أمر الله باتِّباعه من اتِّباع أهل العِلم إلى اتِّباع ما يَهوَى ويشتهي، وإن كان ذلك في بابٍ من أبواب الطاعات، والله المستعان. فالواجبات تتزاحَم، والكفايةُ لم تحصُل في الجميع، لا في جهاد السِّنان، ولا في جهاد القَلم والبيان، من علمٍ ودعوةٍ واحتساب، فيبقى تقديرُ الأمور بحسب المصالح والمفاسد، ومرجعه إلى أهل العلم الربَّانيين الذين لا يُهمِلون هذا، ولا يهمِّشون ذاك. الوقفة الثالثة: الخَطأ في تنزيل أحاديث الفِتن والملاحِم على الواقع من أخطاء مَن يكتب في مسائل الجهاد: تنزيلُ أحاديث النُّبوءات التي أخبر فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا سيكون في آخِر الزَّمان من فتنٍ وملاحِمَ على الواقع المعاصر، بل أحيانًا على فَصيلٍ جهاديٍّ بعينه، بلا علمٍ ولا بيِّنةٍ ولا بصيرة، وبهذا يُغرَّر بعضُ الشباب، وأكتفي بذِكر حديثين فقط، لطالما كُرِّرا في الأدبيَّات المتعلِّقة بالجهاد ممَّا يُطرح في السنوات الأخيرة: الحديث الأوَّل: حديث: ((إذا أقبلت الرَّايات السُّود من المشرِق، والرَّايات الصُّفر من المغرِب، حتى يلتقوا في سُرَّة الشَّام - يعني دمشق - فهنالك البَلاء، هنالك البلاء)). والحديث الثاني: حديث ابنِ حوالةَ: ((سيصير الأمرُ إلى أن تكون جنودٌ مجنَّدة: جندٌ بالشَّام، وجندٌ باليمن، وجُندٌ بالعراق، فقال ابنُ حوالة: خِر لي يا رسولَ الله، إنْ أدركتُ ذلك، فقال: عليك بالشَّام؛ فإنَّها خِيرةُ الله من أرضه، يَجتبي إليها خِيرتَه من عباده، فأمَّا إنْ أبيتم، فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدرِكم؛ فإنَّ الله توكَّل لي بالشَّام وأهله)). وقبل الردِّ على الفَهم الخاطئ للحديثين، أودُّ التنبيه على خُطورة تنزيل هذا النَّوع من الأحاديث على واقعٍ بعينه، وأنَّ من أهمِّ الضوابط في ذلك أن يكون الحديثُ صحيحًا، وأن يكون هذا التنزيلُ على الواقع متيقَّنًا، أو يغلِب على الظنِّ صوابُه، وقال به الراسخون في العِلم، وألَّا يكون أمرًا ظنيًّا متوَهَّمًا، ولا أنْ يفسِّره كلُّ مَن شاء بظنِّه وهواه تفسيرًا بعيدًا عن دَلالته. أمَّا حديث الرايات السُّود، فهو حديثٌ ضعيف، أخرجه نُعيم بن حمَّاد في كتاب ((الفتن)) (1/272)، وقد تفرَّد به، والتحقيق: أنَّ ما تفرَّد به في كتابه هذا لا تقوم به حُجَّة؛ قال مسلمة بن قاسم كما في ((تهذيب التهذيب)) (10/426): (له أحاديثُ منكَرة في الملاحم انفرَد بها)، وقال الذهبيُّ في ((السير)) (9/27): (لا يجوز لأحدٍ أن يحتجَّ به، وقد صنَّف كتاب الفتن فأتى فيه بعجائبَ ومناكير). وعليه؛ فلا يصحُّ الاعتمادُ على هذا الحديث، ولا اعتقادُ ما جاء فيه، فضلًا عن تنزيله على واقعٍ معيَّن؛ فإنَّ دليلَه لم يثبت أصلًا حتى يُبنَى عليه أيُّ اعتقاد، أو أيَّةُ تصوُّراتٍ أو أحكام. وأمَّا حديث ابن حَوالة، فهو حديث صحيح، ولا شكَّ أنَّ الشَّام - بحدودها المعروفة في كتُب الأقاليم والبلدان، وليس سوريا فقط كما قد يتبادَر إلى الذهن - بلدٌ مبارَك، وردتْ في فضله أحاديثُ كثيرةٌ، منها هذا الحديث، وفيه أنَّ الله توكَّل بالشام، وأنَّها خِيرةُ الله من أرضه، لكن تنزيل هذا الحديث على واقعنا المعاصِر فيه نظر؛ وذلك لأنَّ في الحديث أنَّه سيكون جُندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق؛ فأين جندُ اليمن والعِراق الآن؟! إلَّا إنْ كانوا يعنون فصيلًا بعينه، له وجود في هذه الدُّول الثَّلاث، فهذا تحكُّم لا دليل عليه. ولفظ الحديث عند أحمد: (سيصير الأمرُ إلى أنْ تكونوا جنودًا مجنَّدة)، يعني: الأمَّة بمجموعها، أو أعدادًا كثيرة لا يصحُّ أن تُنسب إلى نِسبة غير أنَّها: أمَّة الإسلام. الوقفة الرابعة: القصورُ في فَهم أقوال العلماء من الإشكالات التي تؤدِّي إلى مفاهيمَ وتصورات خاطئة لدى الشَّباب وقوعُ بعض مَن يكتب في مسائل الجهاد في فَهمٍ مغلوطٍ لأقوال العلماء، ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسير القُرطبي: (ولو قارب العدوُّ دار الإسلام ولم يدخلوها، لزِمهم أيضًا الخروجُ إليه، حتى يظهرَ دِين الله، وتُحمَى البيضة، وتُحفظ الحوزة، ويُخزى العدوُّ، ولا خلاف في هذا) (8/ 151). علَّق أحدُهم على هذا الكلام بقوله: فجَعَل الجهادَ فرضًا لازمًا إذا قارب العدوُّ ديار الإسلام مجرَّدَ مقاربة ولم يدخلها, وأوجب على المسلمين الخروجَ إليه، ونقَل عن العلماء أنَّه لا خلافَ في هذا. وهذا فَهمٌ خاطئٌ لكلام القرطبي، فالقرطبيُّ رحمه الله قال: (ولو قارَب العدوُّ دارَ الإسلام ولم يدخلوها، لزِمهم أيضًا الخروجُ إليه)، ومعنى كلامه هذا: أنَّه لو قارب العدوُّ حدودَ بلد من بلاد المسلمين، فلا يَنتظر أهلُ هذا البلد حتى يداهمَهم العدوُّ، بل يخرجوا إليه ليقاتلوه، وهذا كما قال لا خِلافَ فيه، ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ القرطبيَّ يقول أجمع المسلمون على وجوبِ نفير المسلمين بمجرَّد أن يقرُب العدوُّ من بلد من بلاد المسلمين! ومن الأمثلة أيضًا: قول بعضهم: إنَّ جمهور العلماء يرَون أنَّ جهاد الطلب فرضُ كفاية؛ إذا قام به مَن يكفي، سقَط الإثمُ عن الباقين، وإن لم يقُم به مَن يكفي، كانت الأمَّة آثِمةً بمجموعها, وإنَّ هناك من الصَّحابة والتابعين مَن يرى أنَّ جهاد الطلب فرضُ عينٍ على كلِّ قادر! فإذا كان لا يجوز تثبيط الناس عن النَّفير لجهاد الطلب؛ فكيف يجوز الإفتاءُ بعدم النَّفيرِ والجهادُ في الشَّام جهادُ دفْعٍ للصائل؟! وهذا كلام ينقُصه كثيرٌ من الفقه والوعي؛ ففرْقٌ بين مَن يأخذ كلامًا اجتزأه من كتابٍ فقهيٍّ هنا أو هناك، وبيْن مَن ترسَّخ في العِلم، حتى عرَف مآخِذَه ومواردَه، وكيفية تنزيله على الواقع، وفرقٌ كبير بين المسائل النظريَّة العلميَّة، وبين تنزيلها بالفتوى على الوقائع؛ ولذا فأهلُ العِلم يشترطون للفتوى شروطًا لا تقتصر على قراءة كتُب الفقه وفَهمها. وعلماء المسلمين الذين أفتَوْا بوجوب جهاد الطَّلب، أوْجَبوه على القادِر لا على العاجز، فإذا كانت الأمَّةُ الآن بمجموعها غيرَ قادرةٍ على دفْع العدوِّ الصائل، وأعداء الإسلام أقوى منها عُدَّةً وعتادًا بمراحل؛ فكيف يُقال: إنَّهم يأثمون جميعًا إذا لم يَرفعوا عَلَمَ الجهاد، وهو جهادُ طلب وليس دفعًا؟! بل يقال: يجب عليهم أن يعدُّوا عُدَّتَه، ولكلِّ زمان عُدَّتُه وسلاحُه؛ هذا فيما يتعلَّق بجهاد الطلب، أمَّا جهاد الدَّفع فقد تقدَّم الكلام عليه، وسيأتي مزيدُ كلامٍ عنه في الوقفات التالية. وقِسْ على ذلك نصوصًا أخرى للعلماء يُسيئون فَهمها، ثم يُنزلونها على الواقع. الوقفة الخامسة: الحثُّ على الذَّهاب للجهاد؛ لتكثير سواد المجاهدين من مسائل الجهاد التي يُثيرها البعض: مسألة تكثير سواد المجاهدين، فيقولون: إنَّ ذَهاب الشَّباب لساحات الجهاد فيه تكثيرٌ لسواد المجاهدين، ولو لم يكونوا بحاجةٍ إلى رِجال، وإنَّ هذا بحدِّ ذاته مطلبٌ شرعيٌّ صحَّ اعتبارُه عن الصَّحابة والتابعين! ويستشهدون بقول الزُّهريِّ: (خرَج سعيد بن المسيَّب إلى الغزو وقد ذهبتْ إحدى عينيه، فقيل له: إنَّك عليل؟! فقال: استنفرَ اللهُ الخفيفَ والثَّقيلَ؛ فإنْ لم يمكني الحرب، كثَّرتُ السَّواد، وحفِظتُ المتاع). والردُّ على ذلك من وجوه: الأوَّل: أنَّ كلامَنا هنا عن وجوب الجهاد وجوبًا عينيًّا أو كفائيًّا، أمَّا تكثير السَّواد، فهو أمرٌ تطوعيٌّ لا يقول بوجوبه أحدٌ من العلماء فيما أعلم. الثاني: هذا كلامٌ لاستدرار العواطف، وإلَّا فهل من المنطق أن نحثَّ أصحابَ العِلل والعاهات على الاستنفار لساحات الجِهاد؛ لتكثير السَّواد، أو يُستنفرَ من الشباب من لا غناءَ له في المعارك والحرب؛ استنادًا إلى رواية عن تابعيٍّ، اللهُ أعلم بصحَّتها، والمجاهدون أنفسهم يعانون من نقْص في الطَّعام والشَّراب والكِساء والدواء، ولا يَزيدهم مثلُ هؤلاء إلَّا أعباءً وثقلًا؟! الثالث: لا بدَّ في مِثل هذه الأمور من مراعاة المصالح والمفاسد، وعدم الانسياق خَلف العاطفة والحماس؛ فبعضُ الناس ربَّما كان سدُّه ثغرةً في التعليم أو الدَّعوة أو الاحتساب يفوق بكثيرٍ مثلَ هذا العمل، وبعضهم قد يكون في عدم ذَهابه درءُ مفسدةٍ قد تقع أعظمَ من المصلحة المرجوَّة من ذَهابه. الوقفة السادسة: الخطأ في معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} كثيرًا ما يُردِّدون قولَ الحقِّ سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، مستشهدين به على أنَّ الله قد تكفَّل بهداية المجاهدين للحقِّ والصَّواب؛ وعليه: فالحقُّ ما قالوه، والباطل ما رَفضوه، وإنْ خالفوا بذلك كِبارَ أهل العلم. وهذا الفَهم للآية غيرُ صحيح؛ فالآية ذات شِقَّين: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا}، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فما معنى الجهاد في الله، وما معنى الهداية إلى سُبلِه؟ والكلام عن الشِّق الأوَّل منها كالتالي: أولًا: ليعلم أنَّ هذه الآية مكيَّة، نزلت قبل فرْض الجهاد. وثانيًا: الجهاد المقصود هنا هو مجاهدةُ النَّفس، وهو أعمُّ من القِتال، والقتال بلا شكٍّ داخلٌ فيه دخولًا أوليًّا؛ قال البغويُّ في تفسيره: (الذين جاهدوا المشركِين لنُصرة دِيننا). وقال ابن القيِّم في ((الفوائد)) (ص: 59): (قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} علَّق سبحانه الهدايةَ بالجهاد، فأكْملُ الناس هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأفرضُ الجهاد جهادُ النَّفْس، وجهادُ الهوى، وجهادُ الشَّيطان، وجهادُ الدُّنيا؛ فمَن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رِضاه الموصلة إلى جنَّته، ومَن ترَك الجهاد، فاتَه من الهُدى بحسَب ما عطَّل من الجهاد، قال الجُنيد: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سُبُلَ الإخلاص. ولا يتمكَّن من جهاد عدوِّه في الظاهر إلَّا مَن جاهَد هذه الأعداءَ باطنًا، فمَن نُصِر عليها، نُصِر على عدوِّه، ومَن نُصِرت عليه، نُصِر عليه عدوُّه). وقال ابنُ عطيَّة في تفسيره: (هي قبل الجهاد العُرفي، وإنَّما هو جهادٌ عامٌّ في دِين الله وطلبِ مرضاته). وقال: (قال أبو سُليمان الدارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدوِّ فقط، بل هو نصرُ الدِّين، والردُّ على المبطِلين، وقمْعُ الظالمين، وأعظمُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه مجاهدة النُّفوس في طاعة الله عزَّ وجلَّ). أمَّا الشِّق الثاني من الآية: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فلا علاقةَ له بالحقِّ والصَّواب في مسائل الدِّين من حيثُ العلمُ الشرعيُّ؛ ولم يقُل أحدٌ من المفسِّرين ذلك، فقد يكون المجاهدُ جاهلًا بالدِّين، لكن وقَع في قلْبه من حبِّ الله ورسولِه والجهادِ في سبيله ما جعَلَه يُضحِّي بنفْسه من أجْل دِينه، وهذا مُجمَلُ أقوال كبار المفسرِّين للآية: قال الطبريُّ في تفسيره: (لنوفِّقنهم لإصابة الطَّريق المستقيمة، وذلك إصابةُ دِين الله الذي هو الإسلام، الذي بَعث اللهُ به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم). وقال البغويُّ في تفسيره: (لنثبتنَّهم على ما قاتلوا عليه) وقال: (قيل: المجاهدةُ هي الصَّبر على الطاعات؛ قال الحسن: أفضلُ الجِهاد مخالفةُ الهوى. وقال الفُضيل بن عِياض: والذين جاهدوا في طلَب العلم، لنهدينَّهم سُبُلَ العمل به. وقال سَهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السُّنَّة، لنهدينَّهم سُبُلَ الجَنَّة. ورُوي عن ابن عبَّاس: والذين جاهدوا في طاعتِنا، لنهدينَّهم سُبُلَ ثوابنا). وقال ابن تيميَّة في ((جامع الرسائل والمسائل)) (6/82): ({وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} قال معاذ بن جبل: والبحثُ في العِلم جهاد). وقال ابن كثير في تفسيره: (لنبصِّرنهم سُبُلنا، أي: طُرُقنا في الدُّنيا والآخرة). وقال السعديُّ في تفسيره: (أي: الطُّرق الموصلة إلينا). وقال الشنقيطيُّ في تفسيره: (يَهديهم إلى سُبل الخير والرَّشاد). فليس في الآية أنَّ أهلَ الجهاد إذا اختلفوا مع غيرِهم من العلماء، فالحقُّ والصواب معهم، وأنَّ الجهاد سببٌ للبصيرة في العِلم، ومعرفة الراجِح من المرجوح. وليس كونُ المرء مجاهدًا بحجَّةٍ على المخالِف لا في باب الجهاد ولا في غيره من مسائل العِلم؛ كما هو مقتضى كلامِ أكابر المفسِّرين، فمسائلُ الجهاد بابٌ من أبواب الفقه الشرعيِّ، الذي مردُّه ومرجعه العلماء. والخلاصة: أنَّ الله وعد المجاهدين بالهداية لسبيلِه، غير أنَّ الهدايةَ لا تستلزم الصوابَ في كلِّ مسألة، ولا العصمةَ من الخطأ. وممَّا يلحق بهذه الوقفة: الوقفةُ السَّابعة: مقولة: (إذا اختلف الناسُ فاسألوا أهل الثَّغر) كثيرٌ منهم إذا قيل له: إنَّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة أو النازلة، أتَوْك بمقولة ينسبونها للإمام أحمد وابن المبارك أنَّهما قالا: (إذا اختلف الناسُ، فانظروا ما عليه أهلُ الثَّغر - أو فاسألوا أهل الثَّغر - فإنَّ الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وتارةً ينسبونه لسُفيانَ بن عُيينةَ بلفظ: (إذا رأيتَ الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثُّغور). والردُّ على ذلك من وجوه: الأوَّل: أنَّ هذا الأثَر لم يثبُت عن أحدٍ منهم بإسنادٍ صحيح، بل ليس هو من مقولة الإمام أحمد، أو ابن المبارك، وإنَّما نقلَتْه بعضُ كتُب التفسير وغيرها منسوبًا لسفيانَ بن عُيَينةَ بإسنادٍ ضعيف، بل إنَّ الإمام أحمدَ نقَل عنه تلميذُه أبو داود تعجُّبَه من أحكام أصدَرها بعضُ أهل الثغور في زمانه، فقال: قلت لأحمد: السَّبي يموتون في بلادِ الروم، قال: معهم آباؤهم؟ قلت: لا، قال: يُصلَّى عليهم؟ قلت: لم يقسموا ونحن في السريَّة؟ قال: إذا صاروا إلى المسلمين، وليس معهم آباؤُهم، فإنْ ماتوا يُصلَّى عليهم، وهم مسلمون، فقلتُ: وإن كان معهم آباؤهم؟ فقال: لا. قال: قلت لأحمد: إنَّ أهل الثغر يُجبرونهم على الإسلام، وإنْ كان معهم آباؤهم. قال: لا أدْري. وقال: سمعتُ أحمد مرَّةً أخرى وسُئل عن هذه المسألة، أو ذكرها، فقال: أهل الثَّغر يَصنعون في ذلك أشياءَ ما أدري ما هي! انظر: ((مسائل الإمام أحمد)) لأبي داود (ص246)، و((أحكام أهل الذمَّة)) لابن القيم (2/931). ثانيًا: أنَّنا نقول: إنْ كان الإمامُ سفيان بن عُيينةَ أو غيره يقولون: (فاسألوا أهلَ الثغر)، فإنَّ الله تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43]. ثالثًا: إنْ قال قائل: نعني العلماءَ وأهلَ الحَلِّ والعَقد منهم، فالجواب: إذًا بطل الاستدلال، لأنَّ النَّص ورد في أهل الثَّغر، وبعض من يَتلقَّى منهم أهلُ الثغور الآن والشباب المتحمِّس للجهاد ليسوا من أهل الثَّغر، وما عرَفوا ساحاتِ القتال، ولم يُشاركوا فيها، ثم يقال لهم: سلَّمنا أنَّ المراد علماء الجهاد، لكن مَن نتَّبع حالةَ اختلافهم؟ فإنْ عيَّنتم فصيلًا بعينه، قلنا: هذا يعني إبطالَ دَلالة النصِّ؛ لأنَّها في أهل الثغور عامَّة، لا في فصيلٍ بعينه. ثم إنَّه كم من طالبِ علمٍ مغمورٍ متوسِّط العلم في بلده أصبح عالـمًا وعضوًا في هيئة شرعيَّة، بل قاضيًا في مجلس قضائيٍّ بعد وصوله ساحات الجِهاد! والمشكلة ليستْ هنا، فقد يكون هو أعلمَهم، وهذا شأنهم، لكن المشكلة هي أنَّ هذه الهيئاتِ تُطلق أحكامًا شرعيَّة يتهيَّب منها كبارُ علماء الأمَّة، ولو حدَثَت في عهد عمر، لجَمَع لها أهلَ بدر؛ فبعضها له عَلاقة بالتَّكفير، ومنها ما يتَّعلق بالدِّماء! فإذا أردتَ أن تنصح، قالوا لك: يقول ابنُ المبارك: (إذا اختَلف الناسُ، فاسألوا أهلَ الثُّغور)! فهل أمثال هؤلاء من طلَّاب العِلم الذين كانوا في رُتبةٍ نازلة في العِلم والعمل وهم في بلدانهم؛ أصبح لهم من المَلَكة والفِقه ما يُصدِّرهم على الأمَّة بعد أشهر معدودة من التِحاقهم بالجهاد؟! فما الذي زاد عندَهم من العِلم؟! وكيف بلَغوا في أشهر معدودة ما لم يبلغوه قبلُ في السِّنين المتطاولة؟! فإنْ قال قائل: نحن نعني ما يتعلَّق بالجهاد من حيثُ حاجةُ المجاهدين لسلاح أو رجال؛ فهُم المرجع في ذلك. قلنا: أمَّا هذا فصحيح؛ فهُم أعرفُ بحالهم، لكن لا يُنصِّبون أنفسهم مُفتِين، ويزعُمون أنَّ الحقَّ والصوابَ معهم؛ لأنَّهم من أهل الثغور. رابعًا: لو سلَّمنا جدلًا بصحَّة نِسبة هذا القول لسفيان رحمه الله، فهذا اجتهادُ منه في فَهم معنى الآية، وغيرُه من السَّلف فسَّرها بغير ذلك؛ كما تقدَّم. خامسًا: لو سلَّمنا أنَّ تفسيرَه للآية أحدُ أوجه التفسير الصَّحيحة، فيقال: الأصل عند التنازُع هو الردُّ إلى الكتاب والسُّنة، والرُّجوع إلى العلماء الربَّانيين الراسخين في العِلم؛ {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[آل عمران: 59]، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، أمَّا أثَر سفيان رحمه الله، فهو خاصٌّ لا نعمِّمه، فربَّما في زمانه كان أهلُ الثغور يغلِب فيهم أهلُ العِلم والبصيرة بالكتاب والسُّنة، ولا يلزم أن يكون هذا في كلِّ عصر، وهذا شبيهٌ بإرجاع الإمامِ مالك بن أنس الناسَ إلى عمَل أهل المدينة، وقوله لليث بن سعد: (فإنَّما الناس تبَعٌ لأهل المدينة). الوقفة الثَّامنة: هل قادةُ الجهاد يَحُلُّون مَحلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد؟ من الشُّبهات التي تُثار في أوساط الشَّباب قولُ بعضهم: إنَّ قادة الكتائب الجهاديَّة تحُلُّ محلَّ الإمام في استنفار المسلمين للجهاد. لكن أيُّ قادة يَعنُون؟ هل هم قادةُ الجهاد في أفغانستان؟ أم الصومال؟ أم سوريا؟ وهل يصحُّ التفريق بينهم؟ ولو أردنا تحديدَ بلد بعينه كسوريا مثلًا، فقادَةُ مَن مِن الكتائب الجهاديَّة هناك التي تحلُّ محلَّ الإمام؟ وهل يلزم إجماعُهم، أم يكفي قولُ بعضهم؟ ومَن قال ذلك من العلماء؟ كلُّ هذه الأسئلة لن تجِدَ لها جوابًا عندهم! ولو أجمع قادَةُ الجهاد في سوريا عن بَكرة أبيهم على عدَم حاجتهم للرِّجال إلَّا فصيلًا واحدًا، لأوجبه قادتُهم، ولعدُّوا أنفسَهم هم الذين يحلُّون محلَّ الإمام! الوقفة التَّاسعة: الاغترار بالأسماء المُوهِمة المسمَّيات مبانٍ لها معانٍ، وقد تكون سببًا في الغلوِّ، وينخدع بها بعضُ ضِعاف العقول، فالجماعة التي تُسمِّي نفسها (الجماعة الأم) يَنظُر أتباعُها إلى غيرها نظرةَ استصغار وأنهم تبع لها، ومَن سمَّى نفْسَه (حِزب الله) - أخزاه الله - عدَّ غيرَه حزب الشيطان، ومن تُسمِّي نفسها (جماعة المسلمين) يظن أفرادُها أنه يلزم الجميع اتباعها واتباع أميرهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة رضي الله عنه: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، ومن تُسمِّي نفسها بـ(الدولة) يُصدِّق بعض أتباعها أنَّها دولة، وليست فَصيلًا، ثم يرتِّبون على ذلك إلزام الفصائل الأخرى باتِّباعها، وهذا يؤدِّي إلى إشكالٍ آخَر، وهو اعتقادُهم أنَّهم أصحابُ حقٍّ يتميَّزون به عن غيرهم، وغيرهم من الفصائل ليس معهم مثلُ هذا الحقِّ، ولا يَسمعون لمن يَنصح لهم، ونتيجة ذلك: قسوةٌ في التعامل مع بقيَّة الفصائل الأخرى، وظُلمٌ، وتجهيلٌ، وتضليلٌ، وربَّما وصل إلى التَّكفير، أو القتل والاقتتال. فلا يصحُّ اختيار مسمًّى يترتَّب عليه لوازمُ باطلةٌ، أو تفريق وتحزيب، يُوالَى ويُعادَى عليه. الوقفة العاشرة: التسرُّع في التكفير واستحلال الدِّماء بأدْنى شُبهة لـمَّا كانت السِّمةُ البارزة عند الخوارج مسألةَ الخروج على الأئمَّة، ومسألةَ تكفير مرتكب الكبيرة، عدَّ بعضُ العلماء والدُّعاة بعضَ الفصائل الجهاديَّة من فِرقة الخوارج، فكان الردُّ السَّهل والسَّريع منهم: أنَّ هذا افتراء، وقالوا: الخوارج يُكفِّرون مرتكبَ الكبيرة، ونحن لا نُكفِّرهم، والخوارج يَخرُجون على الأئمَّة ولو لم يَرَوْا منهم كفرًا بواحًا، ونحن نخرج على أئمَّة الكُفر والردَّة، ويظنُّون أنه بهذا تندفع التُّهمة، لكن يَغفُل كثيرون أنَّ من أكبر سِمات الخوارج: التسرُّعَ في التكفير، والتسرُّعَ في الخروج، الذي ذاقت منه الأمَّة ويلاتٍ، مِن سفْك للدِّماء، ودَمار للبِلاد، كما أنَّ تكفير مرتكِب الكبيرة (كما هو منهج الخوارج) والتسرُّع في تكفير المعيَّن دون تحقُّق للشروط وانتفاء للموانع، كلاهما خلافُ منهج السَّلف، وهو مِن سمات الخوارج أيضًا، فمن كان من أهل التسرُّع في التكفير والخروج ونفَى عن نفسه تُهمةَ الخارجيَّة، كان كمرجئة العصر الذين نَفَوْا عن أنفسهم الإرجاءَ بحُجَّة أنَّهم يقولون: الإيمانُ قولٌ وعمل، يَزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية، مع أنَّهم يُخرجون عمَلَ الجوارحِ كلَّه من أصل الإيمان، وكِلَا الفريقين مجانبٌ للصَّواب، والله الهادي إلى سواء السبَّيل. فلا يلزم موافقةُ فِرقة من الفِرق في كلِّ عقائدها؛ ليُطلقَ على شخص أنَّه منها، بل تكفي موافقتُها في أبرز أصولها، كما لا يلزم مَن كانت فيه خَصلةٌ أو خِصال من إحدى الفرق أن يُعدَّ منها، لكن يُقال: وافق هذه الفرقةَ في هذه الخِصال. وأنا هنا لست أقرِّر أنَّهم خوارج أم لا، لكن حسبي أن يُعلم أنَّ الغلوَّ والتسرُّعَ في التكفير من سماتِ وخصالِ الخوارج. وممَّا لا شك فيه أنَّ الغلوَّ والتسرُّعَ في التكفير يؤدِّي إلى التساهُل في إراقة الدِّماء المعصومة؛ فهو نتيجة حتميَّة، وقد حدَث هذا بين المجاهدين أنفسِهم في أفغانستان والعراق، والآن بدأتْ إنذاراتُ الخطر تدقُّ في بلاد الشَّام. الوقفة الحادية عَشرةَ: مسألة العُذر بالجهل مِن مسائل العِلم الكِبار التي خاضَ فيها كثيرٌ من الصِّغار: مسألة العُذر بالجهل، ومعناها: هل يُعذر مَن وقع في الشِّرك الأكبر جاهلًا أو متأوِّلًا، أم يُحكَم بكفره؟ وليس المقام الآن مقامَ تحرير هذه المسألة، لكن لمـَّا كانت من المسائل التي ثار حولها جدلٌ كبير، وخاض فيها للأسف مَن لا عِلم لديه، ولمـَّا كانت من المسائل التي لها عَلاقة بالتكفير، وكانت سببًا في تضليل المجاهدين وتكفيرهم، واستباحة دِماء بعضهم بعضًا، كان لا بدَّ من توضيح أمور: الأوَّل: أنَّها ﻣﺴﺄﻟﺔٌ اﺟﺘﻬﺎديَّة، وﻟﻴﺴﺖْ ﻣﻦ اﳌﺴﺎﺋﻞ اﻟﱵ ﻳُﻀـﻠَّل فيها اﳌﺨـﺎﻟﻒ، طالما أنَّ الواقعَ في الشِّرك جاهلٌ أو متأوِّل؛ فلا ينبغي أن تكون هذه المسألة سببًا في أن يقدَح أهلُ السُّنة بعضُهم في بعض، أو أن يقتتل المجاهدون من أجلها، فإنْ حصل، فهو من الغلوِّ. الثاني: أنَّها من كبرى المسائل التي أدَّت إلى التضليل والتكفير؛ لذلك تجِد مَن له شغفٌ وتسرُّع في التكفير يهتمُّ بها أيَّما اهتمام. الثالث: أنَّها كغيرها من المسائل المتعلِّقة بالتكفير؛ إذا تحدَّث فيها صِغار الطلبة توسَّعوا فيها، حتى لم يعذروا أحدًا، وأعظم مِن ذلك انتقالهم من عدَم إعذار مَن وقَع في الشرك الأكبر جاهلًا أو متأولًا، إلى تكفير العاذر نفْسِه، وهذا لم يقُلْ به أحدٌ من السَّلف، وهو أشدُّ الغلوِّ. الوقفة الثانية عشرة: مسألة إقامة شرع الله (تطبيق الشريعة) الحُكم والتشريع لله عزَّ وجل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40]، وليس للبشر خيارٌ بعد حُكم الله: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 46]؛ مَن اعتقد غيرَ ذلك، فقد كفَر. والديمقراطيَّة، التي هي حُكم الشعب للشعب ليستْ من الإسلام في شيء، هاتان مسألتان ما يَنبغي أن يختلف عليهما اثنانِ من المسلمين من حيثُ الأصل، لكن َّكثيرًا من الناس لا يُفرِّق بين التأنِّي في المطالبة بتطبيق الشَّريعة، وبين المناداة والتبجُّح بعدم تطبيقها، وشتَّانَ بين الأمرين! وهذه المسألة مبنيَّة على قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فمتى ما كان في إعلان المطالبة بذلك مفسدةٌ عظيمة، قد تُجهض الجهادَ وثمرتَه، جاز أو وجَب السُّكوت، وفي قصة نبيِّ الله يوسف عليه السلام، وخبرِ النجاشيِّ دَلالةٌ واضحة، ولم يمنع النجاشيَّ من إقامة شرع الله - وقد كان ملِكًا على قومِه - إلَّا الخشيةُ من المفسدة العظيمة التي قد تُودِي بحياته وحياةِ الصَّحابة الذين تحت جواره، وإذا كانت النصوصُ الشرعيَّة، والسيرة النبويَّة جاءت بترْك حُكم الشرع في حالات معيَّنة؛ تجنُّبًا لوقوع مفاسدَ عظيمةٍ، فمجرَّد ترْك المطالبة بذلك في ظرفٍ معيَّن من باب أَوْلى، ونصوص الشرع علَّقت ذلك بالقُدرة والاستطاعة، ويسعُ المسلمَ في حال الضعف مِن السكوت ما لا يَسعُه عند المقدرة؛ يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية: (إنَّ من المسائلِ مسائلَ جوابها السكوت، كما سكَت الشارع في أوَّل الأمر عن الأمر بأشياءَ، والنهي عن أشياءَ، حتى علا الإسلام وظهَر) ((مجموع الفتاوى)) (20/59). أفلا يَسَعُ المجاهدين - الذين تكالبتْ عليهم الأمم من كلِّ صوب - السكوتُ؟! ثم قال: (قد يُؤخَّر البيان والبلاغ لأشياءَ إلى وقت التمكُّن، كما أخَّر اللهُ سبحانه إنزالَ آياتٍ وبيانَ أحكامٍ إلى وقتِ تمكُّن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم تسليمًا إلى بيانها)، هذا وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وليس المقام الآن مقامَ تفصيل، لكن جعْل هذه القضايا من مسائلِ الولاء والبراء التي يُوالى عليها ويُعادى، كما تَفعل بعضُ الفصائل الجهاديَّة هو من الغلوِّ، ولستُ أعني مجرَّد المطالبة بها، فهي مسألةٌ اجتهاديَّة لا يصحُّ أن تُجعل من مسائل الإيمان والكُفر، فهذا من قِلَّة الفقه في الدِّين؛ فمَن رأى أنَّ المصلحة في المطالبة بتطبيق الشَّريعة قبل التمكين والنصر، نُصِح وبُيِّن له خطأُ ذلك وضررُه، فإنْ أصرَّ على ذلك لم يُبدَّع ولم يُضلَّل، ومَن رأى أنَّ المصلحةَ في هذه المرحلة تقتضي غيرَ ذلك وقَبِل بآليَّات الديمقراطيَّة؛ فمِن الغلوِّ معاداتُه وتكفيرُه وقِتالُه. وختامًا: فليُعلمْ أنَّ الجهاد فريضةٌ مُحْكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وهو مِن أجلِّ العبادات، ولكنَّه كغيره من العبادات؛ له أركانه، وواجباته، وسُننه، كما أنَّ له ضوابطَه وأدلَّتَه من الكتاب والسُّنَّة، ومرجع أحكامه كتُب الفقه، والعلماء الرَّاسخون في العِلم، وهو كغيره من أبواب الفقه، حصَل فيه إفراطٌ وتفريط، وغلوٌّ وتساهل، وكثيرٌ من مسائله تدخُل في باب الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلافُ، ولا يضُلَّل المخالِف، والمجاهدون أحوجُ الناس إلى الرِّفق والتراحُم فيما بينهم؛ فهُم يواجهون عدوًّا كافرًا شرسًا، لا يرقبُ فيهم إلًّا ولا ذمَّة، فمهما اختلفوا في الرؤى والاجتهادات، بل في المعتقدات - ما لم تكُن مكفِّرة - فينبغي أن تكون كلمتُهم واحدةً، وقد جاهد آلُ قُدامة وغيرُهم من العلماء مع قاهِر الصليبيِّين صلاح الدِّين الأيوبي، مع مخالفتهم له في بعض مسائل الاعتقاد، وجاهد مع قاهر التترِ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة مَن ليس على معتقده، وأجمعتِ الأمَّة على مشروعيَّة الجهاد ضدَّ الكفَّار مع كلِّ أمير؛ برًّا كان أو فاجرًا؛ قال شيخُ الإسلام رحمه الله: (... إلى غير ذلك من النُّصوص التي اتَّفق أهلُ السُّنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جِهاد مَن يستحقُّ الجهاد مع الأمراء، أبرارهم وفجَّارهم؛ بخلافِ الرافضة والخوارج الخارجين عن السُّنة والجماعة). ونصيحة أخيرة أوجِّهها للشباب المتحمِّس للجهاد، أُجملها في ستِّ نقاط: 1- اتَّهِمْ رأيك، واستفتِ قلبك، واستخرْ ربَّك، واستشرِ العالِم العاقل ممَّن حولك، فيما تأتي وتذَر، ممَّا يلتبس عليك أمرُه، واجعلِ الحقَّ مرادَك، واترك التحزُّب والتعصُّب للرجال. 2- اعلم أنَّ جهادك بالسِّلاح لن يُغنيَك عند الله يوم القيامة مِن بذْل الجهد في مجاهدة النَّفس، ومغالبة الهوى؛ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، واحذرْ من الوقوع في براثن الجَهالات؛ فإنَّها مهلِكات. 3- احذر أن يسرِقَ منك الشيطانُ أعظمَ عملٍ تقوم به، فكلَّما كانت التضحيةُ والطاعة أكبرَ وأجْرها أعظمَ، كان الحرص عليها وعلى سلامتها أوجبَ، وكان حرصُ الشيطان على إفسادها أعظمَ. 4- الحقُّ يُعرف بالعِلم والدَّليل، وأولى النَّاس به العلماءُ الربَّانيُّون، ولا يُعرف بُجرأة قائله وتهوُّرِه؛ وجمهورُهم أقرب للصواب من آحادهم؛ ألا ترى أنَّ العالم إذا أراد أن يُدلِّل لصحَّة قوله بعد ذِكر أدلَّة الكتاب والسُّنة، يقول: وهذا باتِّفاق - أو بإجماع - أهل العِلم، أو: عليه أكثرُ أهل العلم، أو: قاله جمهور أهل العلم؟ اسأل نفسك: لماذا؟ 5- إيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تكونَ من أهل الغلوِّ المتسرِّعين في التكفير، أو تخالط مَن كان كذلك، فإنَّ مجالستَهمْ تَذْهبُ بنورِ الإيمان من القُلُوب، وتَسلُبُ محاسنَ الوجوه، وتُورِثُ البِغْضَةَ بين المؤمنين. 6- الأمَّة بحاجة إليك وإلى أمثالك من الغيورين على دِين الله، وأبوابُ الطاعة كثيرة، ووجوه البِرِّ متعدِّدة، وطُرق إعلاء كلمة الله متنوِّعة، والجهاد أحدُها، والأمَّة بحاجة إليها كلِّها، والجميع على ثَغرةٍ من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يُؤتى الإسلامُ من قِبَلِك، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له. اللهمَّ أتمَّ لأهل الشَّام جِهادَهم، ومكِّنْ لهم في أرضك، يُحكِّمون شرعَك، ويَعبُدونك لا يُشركون بك شيئًا. اللهم جنِّبِ شباب هذه الأمة والمجاهدين في سبيلك الشَّططَ واللَّغطَ والغلوَّ، وجنِّبهم شرورَ أنفسهم، وكيدَ الشيطانِ ومكْرَه، ووحِّدْ صفوفهم، واجمع قلوبهم وكلمتَهم على كلمةٍ سواء، يتمُّ بها صلاحُهم في الدُّنيا، وفلاحُهم في الآخِرة. والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين،،،

تابع القراءة>>

إلى كل مرجيء وشِيعته: هل يُعاوَن الجائر على جوره

15:18 مساء الأحد, 10 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-07-26 15:18:25

خَلّ طاغوتك جائرًا لا كافرًا، فهل من مذهب السلف: معاونة الجائر، وتثبيت مُلكه، ونُصرة طريقته، وتأليبه على مُخالفيه؟! بل معاونته على قتل المسلمين، واستباحة حرماتهم، كما تفعل أنت وأشياعُك عبر منابركم وخُطبكم، وكتاباتكم؟! خُذوا كلام السلف وأتباعهم، عن معاونة الظالمين والجائرين.. - قال مُلّا عليّ القاري رحمه الله: "ورُوي أن خياطًا سأل عبدَ الله بن المبارك، عن خياطته للحُكّام: هل أنا داخل في قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}؟! [هود من الآية:113]، قال: بل يدخل فيه مَن يَبيعك الإبْرة" (انظر: مرقاة المفاتيح). - وقال ابن عطية رحمه الله: "واحتجّ أهل العلم والفضل بهذه الآية: {وَلَا تَرْكَنُوا}: في منع خدمة أهل الجور، ومعونتهم في شيء من أمرهم، ورأوا أنها تتناول ذلك، نصّ عليه عطاء بن أبي رباح وغيره" (انظر: المُحرر الوجيز). - وقال القرطبي رحمه الله: "وقال عبيد الله بن الوليد الوصّافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخًا يأخذ بقلمِه -الوالي الحاكم-، وإنما يَحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج وأدّان؟! فقال: مَن الرأس؟! قلت: خالد بن عبد الله القَسْري -أحد أمراء بني أميّة، وكان فيه ظلم-. قال: أما تقرأ ما قال العبدُ الصالح: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}؟! [القصص:17]، فلا يُعِنهم أخوك فإن الله يُعينه، قال عطاء: فلا يَحِلّ لأحدٍ أن يُعين ظالمًا، ولا يَكتب له، ولا يَصحبه، وأنه إن فعل شيئًا من ذلك فقد صار معينًا للظالمين" (انظر: تفسير القرطبيّ) - وقال ابن تيمية رحمه الله: "وقد قال غيرُ واحد من السلف: أعوان الظلمة؛ مَن أعانهم ولو أنه لاقَ لهم دواةً، أو برَى لهم قلمًا! ومنهم من كان يقول: بل مَن يغسل ثيابَهم؛ من أعوانهم" (انظر: مجموع الفتاوى). * وفي الجملة فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولا يحل للرجل أن يكون عونًا على ظلم؛ فإن التعاون نوعان: الأول: تعاون على البر والتقوى. والثاني: تعاون على الإثم والعدوان؛ كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك.. فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله فإن الإعانة على الظلم ظلم" (انظر: مجموع الفتاوى). وقال أيضًا: "فالظالم لا يجوز أن يُعاوَن على الظلم، لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة من الآية:2]، وقال موسى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}، وقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، فلا يجوز أن يُعان أحدٌ لا وليّ أمر، ولا غيره على ما حرَّمه الله ورسوله" (انظر: منهاج السُّنة). قلتُ: فشتّان شتّان بين ما كان عليه سلفُ الأمّة الأكابر في معاملة الجائرين والظالمين، وما عليه مرجئة اليومَ..! ناهيك عن كون الجائر على عهد السلف كان مُقيمًا للشريعة والجهاد، حاميًا للثغور والبلاد، قائمًا بأمر المسلمين في غالب حاله، بخلاف طواغيت اليوم، الذين تعدّوا حدود الظلم والطغيان، إلى تبديل شريعة الرحمن، وجعلوا من المسلمين ودينهم كلأً مباحًا للكافرين والمنافقين هنا وهناك.. ومع ذلك: تجد من هؤلاء المُدّعين للعلم والدّين من يؤيّدهم، ويَنحاز إليهم، بل ويدعوهم جهارًا نهارًا إلى سفك الدماء المعصومة، وانتهاك الحُرمات المَصونة، فلا شكّ أنهم بإعانتهم أجرَم ووِزْرهم سواء وعاقبتهم أطمّ، ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.

تابع القراءة>>

نحو وعي سياسي راشد

13:32 مساء الأثنين, 29 رجب 1436 هـ الموافق 2015-05-18 13:32:12

مقدمة الكتاب : الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وبعد .. فهذه سلسلة (نحو وعي سياسي راشد)، وهي عشر مقالات، كان أولها بتاريخ 20/9/2010م، وتم الفراغ من هذه الرسائل فجر الأحد 4/2/1432هـ الموافق 9/1/ 2011م، وقد حاولت فيها معالجة مشكلات الواقع السياسي، من خلال النظر إلى أصول الخطاب القرآني والنبوي والراشدي، والاجتهاد وفق فقه المقاربات، لسد الفجوة والهوة بين الخطاب السياسي الراشدي المأمول، والواقع وإشكالاته، وهي اجتهادات تحاول كشف الخلل في أداء العمل السياسي الإسلامي المعاصر، واستعادة هويته العقائدية كأساس لمشروعه السياسي، والفصل بين الواقعية السياسية ومقتضياتها، والمثالية ومبادئها، وكيفية تحقيق الأهداف المرحلية، دون تخل عن الأهداف النهائية، وكيفية التعامل مع الأنظمة القائمة، دون الاعتراف بشرعيتها الدينية.. الخ وقد توقعت في هذه الرسائل حدوث التغيير، ونهاية الدولة العربية الوظيفية، فجاءت بعد أشهر من هذه الرسائل الثورة في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والمغرب والسعودية والجزائر..الخ لتؤكد صحة ما ذكرته من حدوث التغيير وضرورته، وهو ما يفتح الطريق للأمة من جديد لتتلمس طريقها، بعد عقود من سيطرة مشروع (سايكس بيكو) والدول الوظيفية التي أقامها على أنقاض آخر خلافة إسلامية! كما تعرضت بالنقد للأداء السياسي الإسلامي - ونحن جزء منه - لا عداء لأحد، بل إشفاقا وحرصا على العمل الإسلامي الذي فقد هويته ورسالته في خضم الاضطرابات التي تعصف بالأمة منذ عقود، وقد كان لهذا النقد البناء الوارد في هذه الرسائل أثره الإيجابي على كثير من قيادات العمل الإسلامي، الذين تفاعلوا مع هذه الكتابات وغيرها من الكتب التي ألفتها في هذا الباب، وقد تواصل كثير منهم معي، واعترفوا بأن ما ذكرته هو فعلا أزمة الحركة الإسلامية اليوم، وقد استشهد الشيخ المجاهد راشد الغنوشي ببعض ما ذكرته في (العقيدة السياسية)، ولعل ما جرى بعد ذلك من تطور كبير على أداء الحركة أثناء الثورة في تونس ومصر ومواكبة حركة الثورة الشعبية من آثار هذا النقد! ولست أدعي الإحاطة في مشكلات الواقع، ولا الإحاطة بالحلول السياسية الشرعية، إلا إن في هذه السلسلة من القواعد والأصول والتطبيقات ما يجعل السياسي المؤمن بالإسلام ووجوب عودته من جديد ليسود العالم بالعدل والرحمة كما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، قادرا على خوض غمار السياسة بحكمة شرعية، وبصيرة فقهية، وقبل ذلك كله توفيق الله وتسديده لمن أخلص النية وأحسن العمل، وما توفيقي إلا بالله... للتحميل : سلسلة مقالات .. (نحو وعي سياسي راشد)

تابع القراءة>>

خلافة

10:12 صباحاً الخميس, 03 ربيع الأول 1436 هـ الموافق 2014-12-25 10:12:20

مهمة الإنسان عمارة الأرض، ولهذا خُلق ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾، ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾. الملائكة  ظنوا أنفسهم أهلاً للخلافة بالتسبيح والتقديس، فكشف الله لهم أن المهمة لا تتم بمجرد هذا، هي مهمة البناء والكدح والإحياء، مهمة لا يقوم بها إلا من كان مخلوقاً من الأرض! المهمة إذاً منوطةٌ بمن أصله الطين والتراب والماء. الخلافة والاستعمار في الأرض يجعل الكشف والبناء والعلم والاختراع لخدمة الإنسانية مهمة ربانية، وليست أمراً هامشيا ًأو ثانوياً. الإنسان خُلق ليستخلف، وليس ليكون نسخة أخرى من الملائكة ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾. والاستخلاف هو عمارة الأرض بحسب نظام الله. التسبيح والذكر هو عون ومدد لإنجاز المهمة والصبر على تبعاتها وتكاليفها ومشقاتها. والصلة بالله هي للأمل، والحب، والتسامح، والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة. ليست الخلافة ب

تابع القراءة>>

بين التغيرين

10:12 صباحاً الأربعاء, 28 شوّال 1434 هـ الموافق 2013-09-04 10:12:20

تتسارع المتغيرات في هذا العصر بصورة غير مسبوقة، وتترك أثرها في حياة الناس وسلوكهم، وفي قيم الأفراد والمجتمعات، وفي طريقة تفكير الناس ورؤيتهم للأمور. وكثير مما كان مؤثراً فيما مضى أصبح اليوم هامشياً محدود التأثير، وما لم يكن في الحسبان أصبح اليوم يشكل تفكير الناس ويصنع مواقفهم. ويصبح الدعاة إلى الله - تعالى - أمام هذا الواقع بين تغيُّرين:  الأول: أن يجرفهم الواقع، ويستجيبوا لضغطه فيصيبهم التغير في سلوكهم، أو يتنازلوا عن بعض الحق الذي كانوا ينادون به، وقد رأينا طائفة من ذلك في حياة كثير من الصالحين، كاستمراء كثير من المنكرات، والجرأة على كثير مما كان يُتورع عنه أو يُتأثم منه، بل شهدنا كثيراً من حالات التساقط والتراجع.  والثاني: مراجعة الأهداف الدعوية، والخطاب الدعوي، والأساليب الدعوية، والتفاعل مع متغيرات العصر في ذلك. إننا بحاجة إلى دعوة إلى الثبات وتركيز عليه، وإلى اعتناء بالتربية الإيمانية الجادة، فن

تابع القراءة>>

مدخل مهم .. لفهم إشكال سيادة الأمة والشريعة

10:12 صباحاً السبت, 06 شعبان 1434 هـ الموافق 2013-06-15 10:12:20

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم من المداخل المهمة التي تكشف لك محل الخلل في سجال سيادة الأمة والشريعة، ومن خلالها تسقط كثير من الإشكالات والإيرادات، المدخل التالي: يقول لك: لا يوجد في النظم السياسية المعاصرة شيء اسمه إرادة مطلقة للأمة أو للأكثرية، كل النظم السياسية المعاصرة لديها قائمة طويلة من الحقوق والحريات والمفاهيم تقيد هذه الإرادة، إرادة الأكثرية ليست مطلقة، بل مقيدة بفلسفة ومنظومة حاكمة عليها، تجعل إرادتها مقيدة بما لا يخالف هذه المنظومة، فهذه المبادئ تشكل مبادئ فوق دستورية، لا يحق لأي دستور أن يتجاوزها. فلا يمكن للأكثرية أن تصوت على حرمان الأقلية من أي حق من حقوقهم تحت أي مبرر، بل وثم تفصيلات دقيقة لا يمكن تجاوزها لأنها من الحقوق الطبيعية المستحقة للإنسان لا يمكن للأكثرية أن تتجاوزها. أما الدين، فلأن هذه المنظومة تقوم على مرجعية لا تعتمد الدين، فليس من ضمن المنظومة الملزمة للأكثرية أحكاماً دينية

تابع القراءة>>
الذهاب الى

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut