29 محرّم 1439 هـ الموافق ٢٠ تشرين الأول ٢٠١٧
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

آخر تحديث: 11:01 صباحاً الخميس, 25 رمضان 1437 هـ الموافق 2016-06-30 11:01:17

القرآن والعلم

10:58 صباحاً الخميس, 25 رمضان 1437 هـ الموافق 2016-06-30 10:58:24

غازي صبحي آق بيق
قال الله تعالى: {اقرأ باسمِ ربِّكَ الَّذي خلَق(1) خلَقَ الإنسانَ من علَق(2) اقرأ وربُّكَ الأكرم(3) الَّذي علَّمَ بالقلَم(4) علَّم الإنسانَ ما لم يعلم(5)}

ومضات:

ـ هذه الآيات هي أوَّل ما نزل من القرآن الكريم على رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم ، والملفت للانتباه أنها تأمره أوَّل ما تأمره بالقراءة. فماذا يعني أن تضمَّ الآيات الخمس الأولى ستَّ عبارات تتعلق بالقراءة والكتابة، والعلم والتعليم؟ إن هذه الآيات تشكِّل افتتاحيَّة وحي السماء، وهذا يعني أن أهمَّ ما جاء الإسلام لتحقيقه هو نشر العلم بكلِّ فروعه.

ـ ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ كتاباً ليقرأ سطوره لأنه كان أُميّاً، بل كان المطلوب قراءة ربَّانيَّة باسم الله الخالق العظيم، الَّذي خلق الإنسان من حوين صغير، يعلق في الرحم، بعد اتِّحاده بالبويضة.

ـ هذا الخالق العظيم، جعل من القلم أساساً للعلم، وبهذا القلم تعلَّم الإنسان كثيراً من المعارف، ومازال أمامه الكثير ليتعلَّمه.

في رحاب الآيات:

أوَّل أمر إلهي للإنسان الغارق في بحار الجهل والجاهلية، حمله إليه النبيُّ الأميُّ الكريم؛ {اقرأ} بكلِّ ما في هذه الكلمة من إيحاء إلى طَرْقِ أبواب العلم والمعرفة، ثمَّ أُتبعت هذه الدعوة إلى القراءة، بدعوة إلى أختها، وهي الكتابة بالقلم {الَّذي علَّمَ بالقلم} تنبيهاً وإشارة إلى أن حضارة الإسلام لن تُبنى إلا بالعلم، وعماد العلم البشري القراءة والكتابة.

والقراءة يجب أن تبدأ باسم الله، وكذلك كلُّ أمر، وكلُّ حركة، وكلُّ خطوة، وكلُّ عمل؛ فباسم الله نبدأ، وباسم الله نسير، وإلى الله نتَّجه وإليه تصير الأمور. فالقراءة عن الله وبالله هي العلم الحقيقي، وهي مفتاح ازدهار الحضارة الإيمانية، الحضارة الَّتي أثَّرت في الحضارات كلِّها، وأمدَّتها بجوهر العلوم ومفاتيح السعادة.

والله هو الَّذي خلق، وهو الَّذي علَّم، فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة. ونبدأ من صفات الله بالصفة الَّتي بها الخلق والبدء، فهو خالق الإنسان من تلك النطفة العالقة بالرحم، من ذلك المنشأ الصغير المهين التكوين، فتدلُّ على كرم الخالق فوق ما تدلُّ على قدرته، فمن كرمه رفع هذا العلق، إلى درجة الإنسان، الَّذي يُعلَّم فيتعلَّم.

وهنا تبرز حقيقة التعليم، تعليم الربِّ للإنسان بالقلم، لأن القلم كان ومايزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان، ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الَّذي نلمسه الآن، ونعرفه في حياتنا المعاصرة، ولكنَّ الله سبحانه يعلم أهميَّة القلم، فيتَّخذ منه رمزاً في أوَّل سورة من سور القرآن الكريم نزولاً، هذا مع أن الرسول الَّذي حمل هذه الرسالة، لم يكن كاتباً بالقلم، وما كان محمَّد صلى الله عليه وسلم ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى، لوكان هو الَّذي يبتدع هذا القرآن، إلا أن الأمر كان وحياً جاءه برسالة سماوية صادرة من عند الله، فمنه يستمدُّ الإنسان كلَّ ما علم، وكلَّ ما يعلم من أسرار هذا الوجود، وأسرار نفسه، فالوحي من هناك، من ذلك المصدر العلوي المقدَّس الفريد.

فتبارك الله الأكرم، الَّذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، فشرَّفه بالعلم على كثير ممَّن خلق، ورفعه به مقاماً عليّاً حين قال: {..يرفعِ الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العِلمَ درجاتٍ..} (58 المجادلة آية 11). ومن الجدير بالذكر هنا أنه ليس المقصود بالعلم مجرَّدَ تحصيل العلوم الشرعية، وما يتصل بها، كما يفهم بعض الناس خطأً، بل هو مطلق العلم النافع في الدنيا والآخرة، والَّذي يهدي أهله لمعرفة قوانين الله تعالى فيما خلق وأوجد في هذا الكون، وتسخير ذلك لخدمة الإنسان ورفاهيَّته، ومن ثمَّ لتحضير المجتمع والسعي لرقيِّه وتمدُّنه.

وهنالك أدلَّة كثيرة في كتاب الله تؤيِّد هذه الحقيقة وتدعمها، منها قوله تعالى: {إنَّ في خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأولي الألباب * الَّذين يَذْكُرونَ الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم ويتفَكَّرونَ في خلْقِ السَّـمواتِ والأرضِ ربَّـنـا مـا خـلَقْت هذا باطلاً سـبحانَك فَقِنَا عذابَ النَّار} (3 آل عمران آية 190ـ191)، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بعد أن تلا هذه الآية: «ويلٌ لمن لاكها بين لَحْيَيْهِ فلم يتفكَّر فيها» (أخرجه عبد بن حميد وابن حاتم وابن حبان في صحيحه عن عطاء رضي الله عنه ).

ففي هذه الآية إيحاءٌ من الله تعالى، لكي ينمِّي المسلم قواه العقلية، بدراسة علم الفلك وطبقات الأرض، والجبال والأنهار، ومن ثمَّ تسخير هذه القوى الكبيرة لخدمة الإنسان، فكلُّ ما نراه من حضارة راقية، ومدنيَّة زاهرة، هي من نتاج العقل المفكِّر. والإسلام حين دعا إلى التفكُّر وحثَّ عليه، إنما أراد ذلك لتنمية نطاق العقل وتوسيع مداركه، فدعا إلى النظر فيما خلق الله، في السموات والأرض، وفي الإنسان نفسه، وفي الجماعات البشرية، لأن وظيفة العقل هي التأمُّل والتفكير ومن ثمَّ الإبداع، فإذا بطل عمل العقل توقَّف تطوُّر الحياة وتجمَّد.

وقد أراد الإسلام للإنسان أن ينهض من سُباته، فعدَّ التفكير والتعلُّم من جوهر العبادة، وحارب التقليد الأعمى، الَّذي يمنع العقل من الانطلاق والبحث، ويقف به عند حدود القديم المألوف، قال تعالى: {..إنَّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثارِهم مُقتَدون * قال أَوَلو جِئْتُكُم بأهدى مِمَّا وَجَدْتُم عليه آباءكُم قالوا إنَّا بما أُرسِـلْتم بـه كـافرون * فـانتقمنا مِنْهُم فانْـظُر كيـف كـان عـاقِبةُ المكـذِّبـين} (43 الزخرف آية 23-25).

ولولا يقظة العقل وتوجيه الله تعالى له، لما اهتدت البشرية إلى قوانين الحياة، وعِلل الوجود وسنن الله في الكون، ولبقيت كما خُلقت دون تطوُّر، ولكن العقل المستنير بنور العلم استطاع أن يستخرج من الأرض كنوزها، وأن يستنبت خيراتها، ويقرِّب المسافات البعيدة، ويكتشف القوانين في البرِّ والبحر والجو، لينفِّذ بذلك المهمَّة الَّتي كلَّفه الله بها، واستخلفه في الأرض من أجلها.

إن هذه الآيات في أوَّل سورة العلق، وفي غيرها من سور القرآن، تعكس موقف الإسلام من العلم، وإن الباحث يرى أن هذا الموقف مع دلالته الَّتي لا حدود لها، على موقف الإسلام من العلم والمعرفة، والتعليم ومحو الأميَّة بكلِّ أشكالها، فإنه قد دُعِّمَ في القرآن الكريم بمواقف أخرى وآيات تتلى؛ تَقْرَع سمع البشريَّة ليل نهار، كي تهجر الجهل والجهلاء والجاهليَّة، وتُقبل على العلم والعلماء والتعلم والتعليم،
فهناك سورة من سور القرآن تدعى بسورة القلم، حيث أقسم الله تعالى في هذه السورة، بالدَّواة والقلم، وما يُسَطِّرُ العلماء بالقلم والحبر من العلوم والمعارف، فقال تعالى: {ن والقلمِ وما يَسْطُرون} (68 القلم آية 1). لقد أقسم الله تعالى بِنُون، والنون هي الدَّواة وعاء الحبر، وأقسم بالقلم وأقسم بما يسطرون، كلُّ ذلك من أجل لفت الأنظار إلى أهميَّة ما أقسم به، وحثِّ المسلمين على العناية بالقراءة والكتابة، وأدوات العلم والمعرفة، لتحصيل المعارف، والتخلِّي عن الجهل والجاهليَّة وجعلها من مخلَّفات الماضي.

كما أن كتاب الله صرَّح في آيات كثيرة، بلزوم العناية بالعلم، وعلى رأسها أَمْرُ الرسـول صلى الله عليه وسلم ، ومن ورائه أُمَّتُه، بأن يدعو ربَّه طالباً منه أن يزيده من العلم، فقال تعالى: {..وقل ربِّ زدني علماً} (20 طه آية 114).

كما نوَّه بقدر العلم والعلماء، فقال سبحانه: {أَمَّنْ هو قانتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجداً وقائماً يَحذَرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربِّهِ قلْ هل يستوي الَّذين يعلمونَ والَّذين لا يعلمونَ إنَّما يَتَذكَّرُ أولوا الألباب} (39 الزمر آية 9).

وجَعَلَ العلم وزيادة المعرفة سبباً من أسباب زرع مخافة الله وخشيته في النفوس، فقال تعالى: {ألم تَرَ أنَّ الله أنزلَ من السَّماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُخْتلفاً ألوانُها ومن الجبالِ جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سُودٌ * ومن النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلك إنَّما يَخشى الله من عبادهِ العلماءُ إنَّ الله عزيزٌ غفور} (35 فاطر آية 27ـ28). (الجُدَدُ: هي الطرق المختلفة الألوان، والغرابيب: هي صخور متناهية السَّواد كالغربان)؛

فقد لفت الله الأنظار إلى عظمته في إنزال المطر من السماء، وكيف جعله سبباً لنموِّ النباتات والأشجار، وما تجود به من ثمار، وكيف خلق من الجبال صخوراً بيضاءَ وحمراءَ مختلفة الألوان، وسوداءَ قاتمة السَّواد، وخلق من الناس أجناساً، ومن الدوابِّ والأنعام أصنافاً، ثمَّ أَتْبع ذلك بقوله: إنما يخشـى الله مِنْ عِبـَادِهِ العلمـاءُ، أي الَّذين اطَّلعـوا ـ دراســة وتمحيصاً ـ على بديع خلقه ودقيق صنعه، أحقُّ وأحرى من غيرهم، بأن تنغرس في نفوسهم خشيةُ الله، وتملأ قلوبهم محبَّة الله ومهابته سبحانه.

فانظر كيف يوازن كتاب الله تعالى بين من يعلمون ومن لا يعلمون، ويصرِّح بأنه لا وجه للمقارنة بينهم، فهم لا يستوون مع بعضهم لا في الدنيا ولا في الدار الآخرة، ففي الدنيا؛ هم أهل الحَلِّ والعقد، وهم أصحاب الرأي والمشورة والدعوة إلى الحقِّ، والوقوف في وجه الجهل والجاهلية والخرافات والأوهام، وفي الدار الآخرة؛ لهم الدرجات العالية في أعلى الجنان.


 
المصدر: كتاب ومضات من القرآن الكريم - عرض وتحليل
التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut