06 ذو القعدة 1439 هـ الموافق ١٩ تموز ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

آخر تحديث: 10:31 صباحاً الأربعاء, 18 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-09-02 10:31:09

الصوفية والإخوان: اتصال روحي وانفصال سياسي

10:31 صباحاً الأربعاء, 18 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-09-02 10:31:09

الشام اليوم
تتسم علاقة الإخوان والطرق الصوفية بالاتصال الروحي والانفصال السياسي. فهي تتأرجح في المجمل بين قبول الإخوان بدور روحي للطرق الصوفية، ورفض لحضورها الاجتماعي والسياسي. ويرجع هذا التقلب إلى العلاقة المزدوجة التي نشأت بين الطرق الصوفية والسلفية الإصلاحية في سورية، منذ بدايات العصر الحديث. في هذا الصدد، يمكن التمييز في هذه العلاقة بين مرحلتين: مرحلة التعايش ومرحلة الصدام.

خلال المرحلة الأولى مالَ جيل السلفيين الإصلاحيين الأول إلى مهادنة الطرق الصوفية والتركيز على التربية والصحافة لتأسيس خطاب جديد موجه إلى الشباب المتعلم المنتمي إلى الطبقة الوسطى. كان واضحاً أن هذا الجيل يريد إحياء دور العلماء في قيادة الناس إلى الإصلاح، لكن لم تكن لديه القدرة الفكرية أو التنظيمية على مواجهة منافسيه الصوفيين في المجال الديني. ذلك أن الإصلاحيين السوريين أدركوا أن وضع التصوف في سورية ليس بسيطاً كما قد يبدو من التحليل الأولي. لأن الكثير من الصوفية السوريين، في آخر القرن التاسع عشر، تبنوا الدعوة الإصلاحية. يضاف إليه أن أتباع السلفية الإصلاحية الأوائل في سورية جاؤوا من أوساط صوفية، ولم ينشأ عندهم الصدام بين السلفية الإصلاحية والنزعة الأخلاقية الروحية التي ورثها التصوف.

أما في ما يخص المرحلة الثانية فإنها شهدت بداية الصدام في الثلاثينيات والسبب فيه أن السلفيين صاروا أكثر اهتماماً بالنشاط الاجتماعي والسياسي المباشر بوصفه رد فعل على الاستعمار الفرنسي. وبالتالي، صار تقويمهم للآخرين جذرياً لكل جماعة لا تشاركهم الحماس نفسه أو ظهرت منها المنافسة الاجتماعية والسياسية لحركتهم. لذلك كثر هجوم السلفيين على عقيدة الصوفية وممارساتهم تحت تأثير السلفية الحنبلية، وخاصة على الرفاعية والقادرية.

كان لإنشاء فرع الإخوان في سورية رسمياً العام 1945، برئاسة مصطفى السباعي (ت 1964)، أثر في إيجاد مصالحة سطحية بين السلفية والصوفية في سورية. لأن التوافق بني على أساسين: القاعدة الطبقية المشتركة (الطبقة السنية الحضرية وكبار الملاكين) وعلى أساس إخراج المستعمر الفرنسي ونظامه السياسي والفكري. ويرجع الفضل في نجاح هذا التوافق إلى النقشبدي محمد الحميد (ت 1969).

لذلك، فإن الالتباس طبع علاقة الإخوان بالصوفية بعد ظهورهم في الساحة السياسية. فمن جهة رأى الإخوان أن الطرق الصوفية يمكن أن تكون وسيلة فعالة لجذب الجماهير، هدفهم الأول. لذلك لم يُعادِ الإخوان التصوفَ جملة، بل قبلوا جانبه الروحي السُّنِّي. ويمكن التمثيل لهذا الموقف برأي سعيد حوى (ت 1984)، أبرز مفكري الإخوان في سورية والذي يمكن اعتباره سيد قطب السوري، الذي آمن بضرورة التصوف لمواجهة المادية التي طغت على المجتمع السوري، ورأى أن وحدها التربية التي يقدمها التصوف يمكنها مواجهة هذه الظاهرة. أكثر من ذلك، اعتبر حوى أن السلف، المرجعية العليا في العقيدة والسلوك للإصلاحيين، لا تضم فقط العلماء بل أيضاً الصوفية.

هذه هي النقطة الأولى، أما الثانية فإن الفارق الذي اتسع تدريجياً بين نهج سعيد حوى والطرق الصوفية هو أن التربية الروحية مرحلة ممهدة للنزاع المسلح ضد نظام البعث الحاكم عنده بينما وليست غاية في حد ذاتها؛ تصلح الأمور كلها بصلاح النفوس كما هو رأي الصوفية، بل إن الهوة بين الفريقين منضوية تحت رفض الإخوان الاعتقادات الشعبية وتقديس الشيخ، والتساهل مع الحكام الذي مازَ الكثير من الصوفية في القرن العشرين. وتبقى سلفية الإخوان فكرياً وعقائدياً مرتبطة أشد الارتباط بتراث رشيد رضا(ت 1935)، الذي حارب التصوف الطرقي وتمسك بالسلفية الحنبلية. ووجود عناصر صوفية لا يغير من الموقف السياسي للإخوان الذين أدخلوا هذه العناصر بهدف تعويض وجود الطرق. ليس فقط لأنها جماعات منافسة، بل أيضاً لأن مشروع الإخوان يهدف إلى توحيد الصف الإسلامي. فلا مجال لكي يقبلوا تعدداً خارج الجماعة.

فطبيعي إذن أن تظهر التناقضات الاجتماعية، التي طفت على السطح بعد الاستقلال، هشاشة هذه المصالحة. فالطوائف غير السنية بالإضافة إلى الطبقات الحضرية الفقيرة صارت تميل إلى القومية الاشتراكية. وصار ولاء ملاكي الأراضي والطبقة الوسطى الحضرية على المحك على رغم تعاطفها المبدئي مع المصالحة. إذ المسألة أن المصالح الطبقية تتغير، وكذلك الولاءات.

شكل وصول حزب البعث إلى الحكم العام 1963 تحدياً جديداً للعلاقة بين الصوفية والإخوان. إذ إن الصبغة العلوية والعسكرية والعلمانية للنظام الجديد جعلت المواجهة مع الجماعات السنية الحضرية أمراً لا مفر منه. فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبناها حزب البعث الحاكم في الستينيات أقصت بالدرجة الأولى الحضريين السُّنَّة من التجار والطبقة الوسطى لحساب العلويين. ثم إن السياسة الأمنية المتشددة للبعث في التعامل مع الخصوم بالإضافة إلى علمانيته الجذرية، مهدت لاتفاق الأحزاب والجماعات، التي مثلت تقليدياً السنة الحضريين، على معاداة نظام حزب البعث. إلا أن الاختلاف حول منهج التغيير سرعان ما فرق الصوفية عن الإخوان.

لما كان منهج الصوفية في الإصلاح يقوم على التربية الروحية فإن استجابتهم لتحدي البعث كان روحياً أيضاً. فقد زاد نشاط الصوفية في مساجد دمشق في الستينيات والسبعينيات تحت قيادة عبد الكريم الرفاعي (ت 1973) ومحمد عوض. كان أساس هذه الاستجابة هو تقوية الهوية السُّنية للسوريين عن طريق تلقين العلوم الإسلامية والأوراد الصوفية خصوصاً. وهذه حالة جماعة زيد التي أسسها عبد الكريم الرفاعي في الأربعينيات نسبة الى جامع زيد بن ثابت في دمشق. وهنا يمكن الاستشهاد بحالة الشيخ النقشبندي أحمد كفتارو (ت 2004)، الذي حاول التخفيف من عداء البعث للدين، عن طريق التبني الرسمي لأطروحات قومية كالوحدة العربية والدفاع عن إسلام متسامح ومتنور.

بجانب ذلك، تولى وظيفة مفتي سورية العام 1964، وأسس مجمع (أبو النور) العام 1970 بوصفه امتداداً لجامع أبي النور. وفي الجانب النسوي تأسست حركة "القبيسيات" على يد منيرة القبيسي بإلهام من طريقة كفتارو النقشبندية. وجماعة القبيسيات تهتم بنشر العلم الشرعي والوعي الروحي بين النساء. وقد أدرك الرئيس السوري السابق حافظ الأسد (ت 2000) الفرصة السياسية الموجودة في التدين، خصوصاً في إسلام صوفي معتدل يعطيه شرعية عدم محاربة الدين من خلال التقرب واستخدام الشيخ أحمد كفتارو.

في المقابل انزلق الإخوان إلى نهج المواجهة المسلحة، وعلى الخصوص إخوان حماة وحلب، وشاركهم بعض الصوفية في الثورة المسلحة ضد البعث سنوات 1979-1982 مثل بعض الشاذلية والرفاعية، وخصوصاً أتباع عبد القادر عيسى وعبد الغفار الدروبي، والتي انتهت بمجزرة حماه السنة 1982. نتيجة للأحداث صار نهج الإخوان في سورية مرتبطاً بالمأساة والعنف والفشل. لاشك أن اللجوء إلى السلاح عجل بالانفصال بين الصوفية والإخوان، لكن أسباباً أخرى، فكرية، جعلت الطلاق محتوماً. فالعلاقة بين الصوفية والقرى من جهة والعلوية من جهة ثانية، يغيب عنها الصدام الذي يميز علاقة الإخوان بهما.

ذلك أن نشأة الطرق الصوفية القروية يجعل القرى مركز الاستلهام الروحي، بالإضافة إلى شعبية التصوف فيها. وأخيراً فإن محبة التصوف لآل البيت متأصلة وتجعل علاقتهم بالشيعة لا تخلو من تعاطف. لكن أعمق الأسباب قد يكمن في الحرب التي انجرّ إليها الإخوان، طوعاً أو كرهاً، فصارت الحركة لامركزية، متعددة الآراء والمواقف وانتحارية؛ فاختلف القادة بين المفاوضة والمواجهة وانقسموا ما بين مؤيد للمواجهة المسلحة ورافض لها، وما بين فرع دمشق المسالم وفرع حماه الثوري. ثم انتهى حلم ثورة الإخوان بكابوس. هذا كله ينافي الانضباط الذي تطلبه الطرق من المريدين الذي يلزم طاعة المريد للشيخ والتقرب من الله وأخيراً البعد عن الفتنة. فعادت العلاقة بين الإخوان والصوفية إلى سيرتها الأولى، حينما أفزع صقور السلفية الإصلاحية حمائم الصوفية.
التعليقات

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر فقط عن آراء اصحابها فقط ولا يتحمل موقع الشام اليوم اي مسؤولية عنها ولا يتبناها بالضرورة
مشاركة وتعليق
الاسم
البريد الالكتروني
التعليق
تبقى لك 600 حرف
بمشاركتك هذا التعليق فإنك توافق على شروط نشر التعليقات

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut